
د. أنطوان يزبك
هل يجوز لنا أن نتحدّث عن فلسفة شرقية وفلسفة غربية، أدب شرقي و أدب غربي، وينسرب ذلك التصنيف على الشعر والفن و المسرح؟
لا شك في أنّ للجغرافيا والمجتمع و المكان تأثير كبير على الإنسان و طباعه ومزاجه. في هذا المكان من العالم أو ذاك هناك مصطلح [المدار] الذي يحدد تأثيرات عديدة، الذي يبعد عن مكان ما آلاف الكيلومترات، حكما سيكون مختلفا.
ولكن، هل يحقّ لنا أن نستحضر هذه الفوارق الفكريّة من خلال الطبيعة و الجغرافيا أو حتى التواجد في مكان متوسط بين الشرق والغرب؟ هل ثمّة انفصال بين العوالم أم أن الفكر الإنساني هو فكر واحد يعبّر عن الذات الكونيّة الواحدة الفريدة التي تحارب بدورها الإنفصام والتفتّت والتشرذم في النفس البشريّة ؟! ..
درجت العادة أن يتمّ الفصل بين الشرق والغرب في الفكر والمفاهيم و تحديدا في ما يخص الروحانية والفلسفة والشعر .
أما إذا سلّمنا جدلا بحقيقة هذا الإختلاف، فما علينا سوى أن نوافق على جزء من هذه المقولة و نترك الجزء الآخر لكل إنسان كي يحكم بنفسه. يبقى لنا نحن أن ننظر بعين الجمال الى نتاج عظماء مثل جبران وطاغور ومكانتهما العالميّة بغض النظر عن مسألة الإنتماء الى الشرق أو الغرب.
إن العطاء الفكري الذي جلبه طاغور وجبران للإنسانية جمعاء يتخطّى الجغرافية و مسقط الرأس ومكان التواجد .
لمع نجم طاغور إبن الهند العظيمة في بلاد العالم أجمع خاصة في انجلترا، كمفكر و شاعر و فيلسوف عظيم، كذلك جبران خليل جبران الذي عاش في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تكرّس كتابه “النّبي” كأفضل كتاب في العصر الحديث بعد الكتب المقدسة!
وعليه دعونا نذهب في جولة وجيزة تنقل إلينا ضمّة خالدة من أقوال هذين العظيمين!
يقول جبران خليل جبران أن:
“الحياة لا تقيم في منازل الأمس” يعني جبران بكل بساطة أن التجدد الدائم والصراع ضد الموت والفناء يشكّلان سمات فاعلة في الوجود. أتى الشعر والفلسفة والفن بمثابة دواء فعّال ضد الفناء والكمون والصمت والفراغ العظيم الذي يأكل منجزات الحضارة و يكتسحها مثل الوباء الفكري، الذي يجعل من الجمال الروحي النقي؛ جمالا عاجزا يتبلّد و يتجمّد ويموت ويفنى في صحراء السكون والفقد والخبل العقلي حيث تُشلّ الحواس ويفقد الإنسان إنسانيّته. ها هو طاغور يقول:
“لا يمكنك عبور البحر بمجرد الوقوف والتحديق في الماء .”
يقصد طاغور في قوله: أن على الإنسان أن يتحدّى الظروف ويصانع في أمور كثيرة فلا ينفع التمنّي والكسل بل العمل الجهاد والمغامرة.
ولجبران خليل جبران أيضا آراء عديدة في الحياة نذكر منها :
“ما الحياة بالهناء إنما العيش نزوع ومرام
ما الممات بالفناء إنما الموت قنوط وسقام!”
وقصده أن الحياة لا تأتي بالراحة و الدعة بل في السعي والطموح والعمل الحثيث .
يقول طاغور من جهته:
“الموت ليس إطفاء النور، إنه إطفاء المصباح لأن الفجر قد طلع.”
وهو بذلك يرى بحسب الفكر الهندوسي الشرقي أن الموت والحب ليسا سوى امتداد ، لما بعد الموت الذي ليس نهاية في حدّ ذاته بل استمرارية .
يقول جبران خليل جبران أيضا عن الحياة :
“ما أهونني حين تهبني الحياة ذهبا و أهبك فضة ثم أعدّ نفسي كريما “. و كأنّه بذلك يذكر أن العطاء الحقيقي هو حين تمنح أفضل ما لديك وليس أقل من ذلك.
بينما يقول طاغور أيضا في موضوع الحياة والعطاء:
” كنت أنام وأحلم أن الحياة فرح. استيقظت فوجدت أن الحياة خدمة خدمتها، فوجدت أن الخدمة فرح.”
تأتي السعادة بالنسبة لطاغور من العطاء والخدمة والمشاركة.
أمّا في موضوع الحريّة فيرى فيها جبران صورة سامية للوجود:
“صرت مجنونا ولكنني وجدت بجنوني هذا الحرية والنجاة معا حرية الانفراد والنجاة من أن يدرك الناس كياني “.
في كتاب النبي يرى جبران أن الحرية الحقيقية ليست مجرّد كسر القيود بل هي التحرر من رغباتنا المكبوتة والخوف الذي يقيّد أرواحنا. كما يقول طاغور أيضا عن الحرية:
“حيث العقل بلا خوف والرأس مرفوع عالياً… إلى جنة الحرية تلك يا أبتِ، دع وطني يستيقظ.”
هذا بيت مقتبس من قصيدته الشهيرة جيتانجالي .
وأيضا يقول طاغور :
“إذا أغلقت بابك أمام كل الأخطاء، فإن الحقيقة ستبقى خارجاً أيضاً.”
في كلامه هذا يعلن طاغور أنه يتقبل الغلط كجزء من الوصول للحقيقة.
هذه نزهة وجيزة في أقوال أديبين شرقيين نقلا من الشرق إلى الغرب جذوة من نار المعرفة كما فعل بروميثيوس عندما نقل النار إلى البشر فتبدّل وجه الحضارة الإنسانيّة إلى الأبد ! .