الثقافة الريفية… قوافل الضوء في زمن الطين
“الزمن الجميل”…هل كان جميلا حقا؟ (30)

الكاتب مروان ناصح
في زمنٍ كانت فيه الطرق الترابية أطول من الأحلام، وكانت القرى تنام مبكرًا على ضوء الفوانيس، ظهرت شاحنةٌ صغيرة تجوب الأرياف كأنها قافلة نورٍ، خارجة من قلب المدينة. لم تكن تحمل خبزًا أو دواءً، بل كانت تحمل شيئًا أكثر جوعًا في تلك الأيام: المعرفة. وكان القراء ينتظرونها، كما يُنتظر المطر بعد صيفٍ عطش، لأن الكتاب يومها لم يكن سلعةً عابرة، بل نافذةً تُفتح على عالمٍ كامل.
– الشاحنة التي كانت تشبه الحلم:
كانت شاحنة الثقافة الريفية تدخل القرى ببطءٍ مهيب، كأنها سفينةٌ صغيرة ضلّت طريق البحر، فوصلت إلى حقول القمح. وما إن تتوقف حتى تتقاطر الوجوه حولها؛ أطفالٌ بعيونٍ متقدة، وشبانٌ يفتشون عن نافذةٍ، أبعد من حدود القرية.
– الكتاب… حين كان حدثًا استثنائيًا:
في ذلك الزمن، لم يكن الكتاب متاحًا في كل بيت، لذلك كانت رائحة الورق الجديدة، تُشبه رائحة البرتقال في الشتاء؛ نادرةً ومبهجة. كان القارئ يعود إلى بيته حاملاً كتابه، كما يحمل صيادٌ كنزه الصغير، ثم يجلس قرب المصباح الزيتي، يلتهم الصفحات بعينين تتوهجان، أكثر من الضوء نفسه.
– المدارس الطينية وأحلام الطبشور:
كانت بعض المدارس في القرى تشبه أعشاش السنونو؛ صغيرة، متواضعة، لكنها مليئة بالحياة. غرفةٌ واحدة لصفوف عدة، ومعلمٌ وحيد اعتزل المدينة لمهمة مقدسة. وكان الأطفال يعبرون الوحول شتاءً بأقدامٍ باردة، لكن بقلوبٍ دافئة، تؤمن أن العلم طريقٌ سريّ للخروج من العتمة.
– المعلم… رسول المدينة البعيد:
لم يكن المعلم مجرد موظفٍ يؤدي عمله، بل كان نافذة القرية على العالم. يبدأ يومه بين الطباشير والدفاتر، والوجوه الصغيرة المتعطشة للكلمات. كان حضوره يمنح المدرسة هيبةً، تشبه حضور الحكيم في الأساطير القديمة.
– الدولة التي كانت تحلم:
ربما كانت الإمكانات قليلة، لكن الحلم كان واسعًا كالسهل الممتد. كانت هناك قناعة خفية بأن الثقافة ليست ترفًا، وأن الكتاب يمكن أن يصلح ما عجزت عنه الأيام. لذلك حاولت الدولة أن تمدّ خيط المعرفة إلى القرى البعيدة، ولو عبر شاحنةٍ تهتز فوق الطرق الموحلة.
– القراءة… دفء الفقراء الجميل:
كان أبناء الريف يقرأون بشغفٍ، لا يعرفه زمن السرعة الحالي. لم تكن هناك هواتف تسرق الانتباه، ولا شاشات تبتلع الوقت. كان الكتاب رفيق السهرات الطويلة، وكانت المجلات القديمة تنتقل من يدٍ إلى أخرى، حتى تتعب صفحاتها من كثرة العيون التي مرّت فوقها.
– بين الأمس واليوم:
اليوم، صارت المعرفة أقرب من أي وقت مضى، لكنها فقدت شيئًا من سحرها القديم. لم تعد الكتب تُنتظر بلهفة، ولم يعد وصولها إلى القرية حدثًا يشبه العيد. كانت المسافة بين الإنسان والكتاب طويلة، ولذلك كان اللقاء بينهما أكثر حرارةً ودهشة.
-خاتمة:
لم يكن ذلك الزمن غنيًا بالإمكانيات، لكنه كان يؤمن بأن الثقافة قادرة، على إنقاذ الأرواح من الفقر الداخلي. كانت شاحنة الكتب تمضي بين القرى، والأطفال الذين يركضون خلفها، إلى مستقبلٍ أكثر اتساعًا. لذلك يبدو الماضي أكثر دفئًا أحيانًا؛ لأن الأحلام فيه كانت بسيطة، لكنها صادقة كحبة قمحٍ نبتت في قلب الطين.
