عبدالله العروي؛ من سؤال التاريخ إلى سؤال المستقبل ..
سألني أحد المتابعين القراء : « هل يوجد في زمننا هذا مفكرون ومهتمون بمشروع بناء فكر عربي؟ » ..
ربما لا يكون السؤال عن غياب المفكرين بقدر ما هو سؤال عن غياب المشروعات الفكرية الكبرى التي تحاول أن تنظر إلى الإنسان العربي وتاريخه ومستقبله بوصفها قضية واحدة .
من هنا تأتي وقفتنا اليوم مع المفكر المغربي عبدالله العروي، المولود سنة 1933 في « أزمور » ، المؤرخ والمفكر والروائي، الذي جعل من سؤال التأخر التاريخي العربي والانتقال إلى الحداثة محوراً أساسياً في مشروعه الفكري؛ وقد تجاوز إنتاجه ثلاثين مؤلفاً، توزعت بين التاريخ والفكر والفلسفة والرواية والسيرة .
لم يكن العروي يتعامل مع أزمة العرب باعتبارها نقصاً في المعرفة، وإنما باعتبارها أزمة في طريقة النظر إلى التاريخ؛ ومن هنا جاءت التاريخانية لتكون واحدة من أهم أدواته الفكرية؛ فالواقع لا يُفهم خارج شروط تشكله التاريخي، والمفاهيم نفسها ليست كائنات ثابتة، وإنما تتغير مع التاريخ؛ ولذلك دعا العروي إلى النظر إلى الحاضر باعتباره نتيجة لمسار، لا باعتباره لحظة منفصلة عن ماضيها ومستقبلها .
وفي كتابه المبكر « الإيديولوجيا العربية المعاصرة »، الصادر باللغة الفرنسية سنة 1967، حاول تشخيص أنماط التفكير العربي في علاقته بالحداثة، وانتقد ما رآه تأرجحاً بين التقليد والانتقائية؛ ثم تابع هذا المشروع في كتابه « العرب والفكر التاريخي » ، وكتابه « أزمة المثقفين العرب » ، قبل أن ينتقل إلى الاشتغال على المفاهيم ذاتها في سلسلة مهمة ضمت : « مفهوم الإيديولوجيا »، « مفهوم الحرية »، « مفهوم الدولة »، « مفهوم التاريخ »، و« مفهوم العقل » .
اللافت هنا أن العروي لم يكن يرى الحداثة مجموعة منتجات يمكن انتقاء بعضها، وإنما منظومة تاريخية مترابطة؛ فالحرية والدولة والعقل والتاريخ والديمقراطية ليست جزراً منفصلة، وإنما مفاهيم تشكلت داخل تجربة تاريخية متشابكة؛ لذلك كان ينتقد من يستدعي التراث باعتباره حلاً جاهزاً للحاضر، كما كان ينتقد الانتقائية التي تستورد بعض نتائج الحداثة من دون استيعاب الشروط التاريخية التي أنتجتها .
ارتبط عند العروي سؤال النهضة بسؤال استيعاب الحداثة؛ لا بمعنى تقليد الغرب، وإنما فهم الحداثة باعتبارها حدثاً تاريخياً ومنظومة مفاهيم وشروطاً اجتماعية وسياسية؛ لهذا ظل سؤال الدولة والحرية والديمقراطية حاضراً في مشروعه، ضمن بحث أوسع عن كيفية الانتقال من واقع تاريخي إلى واقع حديث او حداثي .
لكن، ونحن نضع العروي في بقعة ضوء، ربما يحق لنا أن نطرح سؤالاً يتجاوز العروي نفسه : إذا كان الخروج من أسر الماضي يحتاج إلى وعي تاريخي، فهل يكفي ذلك ؟ وخصوصا إذا كانت أدوات بناء المستقبل تأتي كلها من خارج تاريخنا؟
ربما لا تكون المشكلة في استخدام المفاهيم الغربية؛ فالمعرفة الإنسانية ملك مشترك، وإنما في أن تتحول تلك المفاهيم من أدوات نفهم بها واقعنا إلى قوالب تحدد لنا مسبقاً كيف ينبغي أن نفهمه.
هنا تفتح لنا تجربة العروي باباً أوسع : لعل العالم العربي لا يحتاج إلى مشروع فكري واحد، بل إلى مشروعات متعددة؛ تاريخية وفلسفية واجتماعية وإنسانية، تنطلق من اختلاف البيئات والأسئلة والتجارب ، ولا يعني تعدد المشروعات انها مشتتة ؛ فربما تحتاج هذه المشروعات، على اختلاف منطلقاتها، إلى خيط ناظم يجمعها؛ خيط يبدأ من الإنسان، ويمر بالتاريخ والوعي والعقل، وينتهي إلى سؤال المستقبل .
وربما يكون السؤال الذي تركه لنا العروي، من حيث أراد أو لم يرد، ليس : كيف نصبح مثل غيرنا؟ ، بقدر : كيف نصبح نحن، ولكن في زمن الحداثة؟

( عماد عواودة ، ابو حازم ..
الجمعة ١٨ أيلول ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )
