
د. شذى حريب
شهدَ يومُ الإثنينِ الماضي 21/09/2026 اللقاءَ الحادي والثمانين بعدَ المئةِ للغرفة 19 عن “الأمثال المولدة لأبي بكر الخوارزمي.. بين مؤلفه ومحققه”، وهو كتابٌ قديمٌ عُنيَ بجمعِ الأمثالِ المولّدةِ وشرحِها…
كان النقاشُ راقياً ذكيّاً أثرى معلوماتِنا واستحثّ رغبتَنا لمعرفةِ المزيدِ عن الأمثالِ وعن الكتابِ، لذلكَ كان لي وقفةٌ مع الكتابِ ومعَ بعضِ الأسئلةِ التي طُرحتْ أثناءَ اللقاءِ…
أبدأ بتعريف المثلِ وفقَ المعجمِ التاريخيّ للغةِ العربيّةِ الصادر عن مجمعِ اللغة العربيّةِ بالشارقة، إذ جاء فيه: “المثل (في علمِ البلاغةِ): جملةٌ من القولِ مقتطفةٌ من كلامٍ، أو مرسلةٌ بذاتِها، تُنقَلُ ممّن وردتْ فيهِ إلى مشابهِهِ دونَ تغييرٍ… جمعه أمثالٌ”…
وقد جاءَ في دراسةٍ تحليليّةٍ لكتابِ الأمثالِ المولّدةِ نُشرتْ في (مجلّةِ تسنيم الدوليّةِ): “لمّا غادرَ العربُ بيئاتِهم الصحراويّةِ القديمةِ إلى بيئاتٍ جديدةٍ فيها الزراعةُ ووفرةُ المياهِ، إلى جانبِ نمطٍ من الحياةِ وعلاقاتٍ اجتماعيّةٍ مختلفةٍ قد ضعفَ فيها الرابطُ القبليّ وفُرضَتْ فيها إرادةُ الدولةِ ممّا أدّى إلى اختلافِ المنظومةِ القيميّةِ وتغيّرِها في ذلكَ الوقتِ، وتبعاً لهذا التغييرِ تغيّرتْ جوانبُ كثيرةٌ من حياةِ الناسِ فأصبحتْ لهؤلاءِ أمثالُهم الخاصّةُ التي نشأتْ في بيئاتِهم، وكانتْ هذه الأمثالُ في مادّتِها وصورتِها ومغزاها أقربَ بطبيعةِ الحالِ إلى نفوسِهم من غيرها وقد أُطلقَ عليها الأمثال المولّدة… قال ابن منظور: (وإنّما سُمّيَ المولَّدُ من الكلامِ مولَّداً إذا استحدثوه ولم يكن في كلامهم فيما مضى)”…
وجاءَ في الدراسةِ نفسِها: “من العسيرِ أن نعيّنَ الزمنَ الذي ظهرتْ في الأمثالُ المولَّدةُ وجرتْ على ألسنةِ الناسِ، ويبدو أنّها ظهرتْ بعدَ أن ضعفَ النفوذُ العربيّ في نهايةِ الحكمِ الأمويّ… ولو تتبّعنا الكتبَ التي كُتبتْ في الأمثالِ المولّدة لوجدناها قليلةً إذا ما قيستْ بالأمثالِ الفصيحةِ… ويبدو أنّ العلماءَ لم يشجّعوا على جمعِ الأمثالِ المولّدةِ والعنايةِ بها، والسببُ في ذلكَ كان بدافعِ الحفاظِ على اللغةِ العربيّةِ الفصيحةِ وعدمِ الاعترافِ بما دونها من كلامٍ يشوبُه اللحنُ”… “وكتبَ أبو بكر الخوارزميّ كتابَه الأمثال المولَّدة (وتكمنُ أهمّيةُ هذا الكتابِ كونه أوّلَ كتابٍ انعقدَ برمّتِه على أمثالِ المولّدين لم يسبقُه إليه أحد) (يعقوب، إيميل، د. ت. 1/41)”…
أمّا عن العلاقة بين الأمثالِ والشعرِ فقد أفردَ الخوارزمي في كتابهِ (الأمثال المولّدة) باباً في ذلك أسماه (باب ما قيلَ في هذا الفنِّ نظماً) أوردَ فيهِ بعضَ الأمثلةِ عن الأمثالِ التي قيلَتْ في الأشعارِ، ومنها:
“ينشدُ في من يَعِدُ العداتِ الكاذبةَ ثمّ يرجعُ عنها (من الوافر):
كلامُ الليلِ مخلوطٌ بزُبدٍ *** إذا أحماهُ حرُّ الشمسِ ذابا”
وهو ما يقابلُه في أمثالِنا “كلام الليلِ يمحوه النهارُ”…
كذلك وردَ المثلُ التالي:
“إنْ كانَ من فضّةٍ كلامُكِ يا *** نفسُ، فإنَّ السكوتَ من ذهبِ”
وأوردَ كذلكَ بعضُ الأشعارِ التي ذهبَتْ مثلاً، ومنها قولُهم:
“أعلّمُهُ الرمايةَ كلَّ حينٍ *** فلمّا اشتدَّ ساعدُهُ رماني
أعلّمُهَ القصائدَ كلَّ يومٍ *** فلمّا قالَ قافيةً هجاني”
ويذكرُ الخوارزمي أنّ هذا الشعرَ “يُنشدُ في الرجلِ تخرِّجُه فيخرجُ عليك (من الوافر)”…

