
دكتور/ وليد علي عبد المجيد
دكتوراه الفلسفة وتاريخها-كلية الآداب-جامعة الآسكندرية
مقولة ” الفن مرآة المجتمع” أو “الفن مرآة الشعوب” ، تعود جذورها الي الفلاسفة الإغريق : أفلاطون وأرسطو: اللذان ناقشا مفهوم الفن باعتباره “محاكاة ” للواقع والحياة المعيشية للمجتمعات. فأي عمل فني (سينما، مسرح، أدب) هو انعكاس حي لقضايا عصره وهموم مجتمعه وبيئته.
ولكن هل دور الفن يقتصر على مجرد عكس المشكلات التي يعاني منها المجتمع ام يمتد ليشمل دوره تقديم رؤية تنويرية تجعل المجتمع يتجاوز هذه الاشكاليات .
ان الإجابة على هذا التساؤل يمكن ان نتلمسها في فيلم النمر الأسود: والمأخوذ عن قصة حقيقية لصاحبها” أحمد أبو الفتح”، وقام بكتابة السيناريو والحوار السيناريست (بشير الديك)، والفيلم من إخراج عاطف سالم بطولة أحمد زكي، إخراج (عاطف سالم) نموذجاً سينمائياً فريداً يتجاوز مجرد رصد الواقع أو نقل مشكلاته إلى مرحلة “الوصفة العلاجية” وطرح الانموذج الملهم لتجاوز المأزق الاجتماعي والاقتصادي.
الخط الدرامي وقصة العمل: تشخيص الواقع
يبدأ الفيلم بتشخيص دقيق لأزمة الشباب المصري في ذلك العصر؛ حيث البطالة، وضيق الأفق المعيشي، وغياب الفرص الحقيقية للشباب المكافح الذي لا يملك وساطة أو رأس مال (ممثلاً في شخصية “محمد حسن صالح” الشاب البسيط الذي يعمل خراطاً). هذا الواقع كان من الممكن أن يدفع الكثيرين إما إلى اليأس، أو الهجرة غير الشرعية، أو الاستسلام للفقراو الجريمة .
العلاج والانطلاق نحو المستقبل :
رفض “محمد” البكاء على أطلال الفقر أو ادانة الظروف، بل حول اليأس إلى طاقة عمل جبارة؛ فتعلم واكتسب مهارة حقيقية (مثل احتراف المخرطة ثم الانتقال لألمانيا وإتقانها والصبر على تعلم اللغة الألمانية) , وهذا هو السلاح الحقيقي الذي استخدمه بطل الفيلم للتغلب على التهميش.
والبطل هنا يرفض رفضآ قاطعآ أن يلعب دور الشاب المهزوم الذي ينتظر الشفقة، ليتحول بجهده الخالص إلى منافس قوي في بيئة أجنبية قاسية (ألمانيا)، ليثبت أن الإنسان هو صانع قدره.
وقد كان دخول البطل عالم الملاكمة علاجاً رمزياً لترويض القسوة التي يفرضها المجتمع، وتعليماً للصبر، وقراءة الخصم، وتوجيه الضربة القاضية في الوقت المناسب للصعاب.
اجمالا:
قدم “النمر الأسود” عبر هذه الرحلة علاجاً نفسياً واجتماعياً يعيد ثقة المشاهد بذاته، مؤكداً أن الفن الحق لا يكتفي بتعرية الجروح، بل يضع المشرط في المكان الصحيح ويمنح المجتمع بوصلة الأمل والعمل.

