
علي لفتة سعيد
تعتمد المجموعة القصصية “اغتيال حزن” للكاتب محسن عواد على اشتغال سردي ينفذ إلى أعماق الحالة النفسية، بوصفها عالمًا غائرًا في النفس البشرية، يفكّك تضاريس العزلة والفقد والتحوّلات العمرية، ويستعيد ما تختزنه الذاكرة من أسئلة وخفايا. فقصص المجموعة تتحرّك بين عتمة الذاكرة، وقلق الروح الإنسانية، مستنطقةً لحظات الصراع الصامت مع الوحدة والمرض والزمن، الذي يبتلع التفاصيل بهدوء، لتجعل من الحكاية مساحةً لاختبار الإنسان في لحظاته الأكثر هشاشة.
ولا تقف هذه الحكايات عند حدود السرد الحكائي المباشر، بل تتجاوزه إلى فضاءٍ يتفاعل فيه الحكائي مع الرمزي والفلسفي، فتغدو التفاصيل اليومية والمواقف البسيطة، مداخل إلى أسئلةٍ أوسعَ عن العزلة والموت والذاكرة والفقد. ومن هنا لا تبدو الحكاية غايةً بذاتها، بقدر ما تصبح وعاءً تتشكّل داخله الهواجس الفكرية والنفسية، ويقودها الرمز نحو دلالات تتجاوز ظاهر الحدث.
إن المجموعة تحاول جرّ التدوين الحكائي إلى منطقة التجريب، من خلال التلاعب بالبنية السردية، وتداخل الأزمنة والمستويات، والتدرج النفسي، الذي يحل أحيانًا محل التصاعد الحكائي التقليدي. كما أن امتداد بعض القصص وطولها لا ينفصل عن طبيعة هذا الاشتغال، حيث تحتاج الحالة النفسية والرمزية، إلى مساحةٍ تسمح للتفاصيل بأن تتراكم، وللمعنى بأن يتشكّل ببطء، وصولًا إلى ما يمكن أن نسمّيه التوهج الفلسفي الحزين الذي يطبع كثيرًا من نصوص المجموعة.
فلسفة العنوان والحكاية
في قصص المجموعة الأربع عشرة قصة، أريد لها أن تكون دائرةً حول العنوان الرئيس، وإن كان عنوانًا للقصة الثانية، حيث بدا العنوان بؤرةً دلاليةً وفكريةً عميقةً تنسحب بظلالها على مجمل القصص، وإن تباينت طرائق التعبير عنها بين نص وآخر. ولذا فإن ملاءمة العناوين للغطاء الحكائي والفكري جزءٌ من هذا التدوين، فكان العنوان في كلّ نصّ يمثّل مفتاحًا دلاليًا أو عتبةً تأويليةً عميقة تجذب القارئ وتلخص جوهر التجربة الإنسانية أو النفسية للقصة.
أولًا: العناوين الرمزية والمكثفة:
حيث تلّخص الثيمة الكبرى، ومنها قصة “اغتيال حزن”، فهو عنوان شديد التركيب والمفارقة، إذ يضع الفعل العنيف، الاغتيال، في تقاطع مع مفهومٍ عاطفي، الحزن، ليعبّر بدقّةٍ عن محاولة الأرملة القاسية،لقطع حبل الذاكرة، ووأد لوعة الفقد بإغراق هاتف زوجها الراحل، كي تحمي وقار حزنها من الابتذال أو التلاشي.
وكذلك قصة “بانتظار العمى”، وإن بدا مباشرًا، لكنه محمّلٌ بثقلٍ دراميّ ووجوديّ واضح. فهو لا يصف حالة طبية مجرّدة، بل يختزل الرعب الإنساني من تراجع الضوء، وكيف يعيد الإنسان تقييم تفاصيل العالم حين يلوح الظلام الأبدي في الأفق.
وأيضًا قصة “دنس”، فهو عنوانٌ صادمٌ وقصير، يعكس بدقّة حالة الصراع النفسي الداخلي، والتمزّق الأخلاقي لشخصية انجرفت نحو تجربة عابرة، شعرت بعدها بأن روحها وجسدها قد غرقا في النجاسة والانهيار.
ثانيًا: العناوين المشهدية والمجازية:
إذ تتحوّل التفاصيل البسيطة إلى رموز، كما في قصة “فيلم بفردة حذاء”، حيث الجمع بين الغرابة والواقعية الساخرة. فهو يلخّص قصّة طفلٍ فقيرٍ يضحّي بسلامة قدمه وجسده، ليحقّق حلمًا كبيرًا بدخول السينما ومشاهدة فيلم “عنتر بن شداد”، ليصبح العنوان اختزالًا لمسافة العمر الهائلة بين “فردة حذاء قديمة” و”مهرجان سينمائي دولي فخم”.
فيما كان عنوان قصة “عين على المقهى وعين على كرة القدم” يبدو مركّبًا، ويعكس حالة الانقسام أو الازدواج الإجباري في وعي طفل، فهو يعيش متعة اللعب، وشغف الكرة، بينما عينه الأخرى مرصودة على المقهى، ترقب خروج الأب الصارم، وهو ما يفسّر كيف يتشكّل الوعي الإنساني وسط الخوف والترقب.
فيما كان عنوان قصة “رثاء مؤجّل لصديق حي” عنوانًا مفارقًا يحمل قدرًا عاليًا من الشجن، فالصديق ليس ميتًا بالمعنى الفيزيائي، لكنه مات معنويًا حين أقعدته الجلطة الدماغية وغابت ذاكرته في دار العجزة، ليصبح الرثاء موجّهًا لجسد يرفض الموت الكامل، بينما روحه غائبة.
ثالثًا: العناوين الديموغرافية والتقريرية:
مثل قصص “يوم من حياة السيد دانيال أندرسون” أو “ظلام وصمت” أو “حوار” أو “هدوء”. فتبدو هذه العناوين في ظاهرها عاديةً أو تقريرية، لكنها تخفي خلفها انفجارًا نفسيًا عميقًا، فـ”يوم دانيال أندرسون” ليس يومًا عاديًا، بل هو رحلة في عزلة الغرب والشيخوخة والحنين الخفي إلى الشرق الأوسط، و”ظلام وصمت” ليس مجرّد وصفٍ لمكان، بل هو مختبرٌ إنسانيّ لاختبار ما يبقى من الإنسان، حين يُنتزع عنه الضوء والوقت.
بمعنى أن عناوين القصص لم تكن لافتاتً شكليةً لتنظيم الفهرس، بل كانت عتباتٍ نصيةً حيّة، تتفاعل مع المتلقّي، وتكشف بذكاء عن فحوى الحكاية وعمقها الفلسفي والنفسي قبل قراءة السطر الأوّل.
فاعلية التدرج القصصي
إن المجموعة تقود التدوين إلى صميم الصنعة الفنية والتشكيل الجمالي، فالكاتب لا يكتفي بالسرد الخطّي التقليدي الكلاسيكي القائم على التصاعد المنطقي للحدث، بل يذهب أبعد من ذلك، ليمارس تلاعبًا في مفهومية البنية السردية والمبنى السردي. فالقصص تميل إلى ثنائية التدرّج، مقابل التلاعب البنيوي، عبر معطيات واضحة:
أولًا: تجاوز التدرج الكلاسيكي لصالح الانفجار الداخلي:
ففي كثير من نصوص المجموعة، يتخلّى الكاتب عن سلّم التدرج التقليدي، بداية، تصاعد درامي، وذروة، خاتمة. فبدلًا من أن يبني القصة عبر تراكم تدريجي للأحداث الخارجية، يضعنا الكاتب فورًا في قلب الأزمة أو البؤرة النفسية، ثم يبدأ السرد بالتمدد أفقيًا وعموديًا عبر الذاكرة.
مثال ذلك قصة “ظلام وصمت”، حيث يبدأ السرد مباشرةً بقرارٍ حاسمٍ وفعلٍ مغامر، دخول الكوخ، وإغلاق الهاتف، والظلام التام. فلا يوجد تدرّج تصاعدي في سبب العزلة، بل نجد أنفسنا داخل تدرّج شعوري داخلي، وهلوساتٍ بصريةً وعقليةً تتصاعد داخل العتمة، حتى تصل إلى ذروة الاختناق والنجاة.
ثانيًا: التلاعب في مفهومية البنية السردية:
عبر تداخل الزمن وتعدّد المستويات، حيث يُظهر اعتماد الكاتب على عملية تفكيك وإعادة تركيب المبنى السردي، إذ يعتمد على تقنيات حداثية في إدارة الزمن والبنية، من خلال تداخل الحاضر بالماضي، والفلاش باك. فالزمن في قصصه ليس خطّيًا، بل دائري أو شبكي.
كما في قصة “فيلم بفردة حذاء”، حيث يبدأ الحاضر من قاعة عشاءٍ فخمة، ومهرجان سينمائي راقٍ، لينزاح المبنى السردي فجأة، وبدفع من الذاكرة، إلى طفولةٍ فقيرةٍ في بغداد والبحث عن “فردة حذاء” و25 فلسًا، ثم يعود بنا إلى القاعة، وكأن الزمنين يمتزجان في وعي الشخصية.
هذا التلاعب البنيوي يجعل الحدث الماضي أكثر حضورًا وتأثيرًا من الواقع المعيش. وهو ما يعطي تعدّد الأشكال السردية، كالرسائل والحوارات الداخلية، مكانةً تدوينية، كما في قصتي “رثاء مؤجّل لصديق حي” أو “باتجاه البحر”، حيث تتّخذ البنية شكل الرسائل الموجّهة إلى الغائب أو الحي المغيّب في العجز والذاكرة المعطوبة، مما يكسر شكل القصّة القصيرة المألوف، ويحوّلها إلى نصّ هجينٍ يزاوج بين السرد، والاعتراف، والرسالة، والنثر التأملي.
ثالثًا: تقويض اليقين الزمني والمكاني، بما يمكن تسميته ببنية المتاهة:
فهي تشبه “المتاهة النفسية”، فالمكان والزمان يفقدان معياريتهما المادية، ليصبحا صدىً للحالة الداخلية للشخصية، كما في قصتي “بانتظار العمى” و”يوم من حياة السيد دانيال أندرسون”، حيث تبدو البنية محكومةً بيوم عادي ظاهريًا، زيارة طبيب، واحتساء قهوة، وجولة في الشارع.. لكن المبنى السردي الداخلي يتحرّك نحو هاويةٍ كبرى، أو تحوّل مصيري، فقدان البصر الوشيك، والوحدة القاتلة، واسترجاع الجذور من الشرق الأوسط.. هنا يحدث التلاعب: الحدث الخارجي ضئيل وبسيط، بينما الحدث البنيوي الداخلي هائل ومفجع.
الحكاية والرمز
ما سارت عليه المجموعة هو محاولة المزج بين الحكاية والرمز، المرتبط بالجانب الفلسفي. فمثلما هناك اهتمام بالسرد الحكائي، هناك اهتمام بالفاعل الرمزي، بما يعني أنه لا قطيعة في العلاقة بين السرد الحكائي والمستويين الفلسفي والرمزي/القصدي، بل هي علاقة تفاعل جدلي. لذا فإن عملية القيادة، كانت للمستويين الفلسفي والرمزي، حيث قادا السرد الحكائي ووجّها طاقته، ولم يكن السرد سوى “وعاء حي”تتشكّل من خلاله تلك الهواجس الفكرية. وهو ما يتضح من خلال:
أولًا: الحكاية كذريعة لا غاية:
لأن الحكاية سنجدها في الغالب بسيطةً ومباشرة، ولا تعتمد على الحبكات البوليسية المعقّدة أو التواءات الأحداث الخارجية، فرجل يغلق هاتفه ويدخل كوخًا مظلمًا في قصة “ظلام وصمت”، وأرملة ترمي هاتف زوجها في النهر في قصة “اغتيال حزن”، وعجوز ينتظر الطبيب، ليسمع نبأ العمى الوشيك في قصة “بانتظار العمى”، وطفل يبحث عن فردة حذاء كي يدخل السينما في قصة “فيلم بفردة حذاء”.
فهذه الحكايات، في جوهرها، ليست سوى ذرائع واقعية أو مواقف يومية، اتّكأ عليها الكاتب لتفجير أسئلته الكبرى. فالحكاية هنا تخدم الفكرة، ولا تكتفي بذاتها.
ثانيًا: الهاجس الفلسفي والرمزي:
وهو الذي حدّد شكل السرد وطريقته. ففي قصة “ظلام وصمت”، لم يكن هدف الكاتب سرد حكاية رحلة تخييم، بل استكشافًا فلسفيًا لما يبقى من الإنسان حين يُنتزع عنه الضوء والوقت معًا، فتحوّل السرد إلى رحلة في لاوعي الإنسان وهلوساته.
ونجد رمزية الاغتيال والوقار في قصة “اغتيال حزن”، حيث تتحوّل أفعال الأرملة البسيطة، من البحث في الهاتف وتصفّح التطبيقات إلى الذهاب إلى الجسر، إلى رموز حية لصراع الذاكرة مع الرغبة في حماية طهارة الحزن من التلوث أو النسيان.
فضلًا عن فلسفة العجز والذاكرة في قصة “رثاء مؤجل لصديق حي” وقصة “حوار”، حيث يتوارى السرد لصالح خطاب تأملي ومناجاة وجودية تعيد مساءلة الموت قبل أوانه، وموقف الإنسان أمام تقهقر جسده وذاكرته.
ثالثًا: تجسيد التجريد في تفاصيل مادية من أجل إبراز آلية الرمز:
وهو ما يعزّز فكرة أن الفلسفة والرمز هما القائد الحقيقي للسرد، إذ تتجلّى قدرة الكاتب في تحويل الأشياء المادية البسيطة، إلى رموزٍ فلسفيةٍ كبرى. ففي قصة “فيلم بفردة الحذاء”، ليست الملابس القديمة لطفلٍ فقيرٍ مجرّد تفاصيل، بل هي رمزٌ للمسافة الهائلة التي يقطعها الإنسان بين القاع والمجد، وتكلفة دفع الثمن باهظًا في سبيل الحلم.
قصص طويلة لحكايات فاعلة
ما يتضح أن القصص تحمل طولًا واضحًا، لذا يطرح السؤال نفسه، هل احتاجت الحكاية إلى هذا الطول،كي تصل إلى فلسفتها ورمزيتها؟ إن الإجابة قد تكون أن حاجة القصص إلى هذا الطول لم تكن ترفًا سرديًا أو حشوًا مجانيًا، بل كانت ضرورةً فنيةً وفلسفيةً، فرضتها طبيعة العالم الرمزي والنفسي الذي يشتغل عليه الكاتب، رغم وجود إسراف في الطول، ساعد أحيانًا على وجود تكرار في المشاهد. ويمكن توضيح الأمر من خلال:
أولًا: طبيعة السرد النفسي وتيار الوعي:
وهو ما أدّى إلى بطء الزمن الداخلي، إذ إن القصص لا تعتمد على الحركة الخارجية السريعة أو الإثارة البوليسية، بل تغوص في الزمن النفسي الداخلي للشخصيات، وهذا يتطلّب مساحةً سرديةً واسعة. فعندما يراقب الكاتب صراع شخصية مع الذاكرة، أو تراجع بصرها في “بانتظار العمى”، أو عزلتها في العتمة في “ظلام وصمت”، فإنه يحتاج إلى تتبع التداعيات الدقيقة، والهواجس، والترددات النفسية خطوةً بخطوة.
ثانيًا: التدرج في بناء الرمز وتحويل المادي إلى معنى ملموس:
فالرمزية لا تُلقى جاهزة على سطح النص، بل تُبنى ببطء وهدوء من تفاصيل الواقع اليومي المعيش، وهو ما يمنح الأشياء والأفعال البسيطة دلالاتها المتنامية داخل الحكاية.
ثالثًا: تقنية التناوب والتأمل:
وهو ما يعني بناء المختبر الفلسفي، والحاجة إلى النفس الطويل الذي يعمل بمثابة مختبر تجريبي. لذا فإن حاجة الحكاية إلى هذا الطول جاءت من أجل ألّا تُفرض الفلسفة والرمزية قسرًا، بل تتخلقا ببطء من داخل التفاصيل والخبايا النفسية، فجاء النفس الطويل مساحةً ضرورية لكي ينضج المعنى، ويصل القارئ إلى ذروة التوهج الروحي والجمالي.
بمعنى إن قصص “اغتيال حزن” تبدو تجربةً قصصيةً تنحاز إلى الداخل أكثر من انحيازها إلى الخارج، وتجعل من الحكاية مدخلًا إلى النفس الإنسانية، وما يعتمل فيها من خوفٍ وفقدٍ ووحدةٍ وحنين. فالأحداث، على بساطتها، لا تقف عند حدودها الظاهرة، وإنما تنفتح على مستوياتٍ رمزيةٍ وفلسفيةٍ تمنح التفاصيل اليومية دلالاتٍ أبعد من واقعها المباشر.
وقد استطاع محسن عواد أن يجعل من العنوان والحكاية والرمز والبنية السردية عناصر متفاعلة، بحيث لا تأتي الفلسفة زائدة على الحكاية وإن طال سردها، ولا يتحوّل الرمز إلى غطاءٍ مفتعل، بل يتشكّلان من داخل التجربة نفسها. كما أن اعتماده على التدرج النفسي، وتداخل الأزمنة، وتعدّد المستويات السردية، ومنح بعض القصص مساحة أطول، أسهم في بناء عالم قصصي تتقدم فيه الحالة الداخلية للشخصية على حركة الحدث الخارجي.
إنها مجموعة تبحث عن الإنسان في لحظات انكساره، حين تصبح الذاكرة عبئًا، والعزلة اختبارًا، والزمن قوةً تستنزف التفاصيل، وحين يتحوّل الشيء البسيط إلى علامة، والحكاية اليومية إلى سؤالٍ وجودي.
