
بقلم : عماد عواودة ، ابو حازم ..
في الندوة التي استضافتها منصة « الغرفة 19 »، وأدارتها الأستاذة والأديبة إخلاص فرنسيس، وحلّت ضيفةً عليها الدكتورة درية فرحات، صاحبة المجموعة القصصية « احكي يا شهرزاد »، أُتيح للحاضرين أن يقتربوا من عوالم المجموعة عبر نقاشات نقدية وقراءات تأملية، غاص فيها المعلّقون والمتداخلون في ثنايا النصوص، واستخرجوا منها درراً من المعاني والدلالات.
ومع ما أضاءته الندوة من جوانب أدبية وفكرية، بقيت عتبة المجموعة، عنوانها، تستوقفني بما تحمله من إيحاءات تتجاوز حدود التسمية إلى فضاء أرحب من التأويل؛ فالمجموعة، التي تتناول قضايا المرأة عبر قصص قصيرة، تستمد عنوانها من شخصية شهرزاد في حكايات « ألف ليلة وليلة »، تلك التي واجهت شهريار بالحكاية، واتخذت من التشويق وتأجيل النهايات وسيلةً لتأخير تنفيذ حكم الإعدام، ليلةً إثر ليلة.
غير أن شهرزاد التي تستوقفنا هنا ليست الشخصية التراثية وحدها، وإنما الرمز الذي يستدعي صورة المرأة الشرقية، وما يحيط بصوتها من حدود اجتماعية وثقافية، وما تختزنه في داخلها من حكايات تنتظر أن تجد طريقها إلى النور.
« احكي يا شهرزاد »…
تبدو العبارة، في ظاهرها، دعوةً إلى الكلام، غير أن التأمل في بنيتها يفتح أمامنا دلالات أخرى؛ فمن الذي يأذن لشهرزاد بالحديث؟ ومن يمتلك في المجتمع سلطة السماح بالكلام أو حجبه؟ وهل تحتاج المرأة إلى إذن كي تعبّر عن نفسها، أم أن حقها في القول يسبق كل إذن، ولا يستمد مشروعيته من رضا الآخرين؟
إن صيغة النداء والأمر في العنوان تستدعي حضور سلطة ما، سلطة قد لا تتجسد دائماً في شخص بعينه، وإنما تتوزع بين أعراف وتقاليد وتصورات اجتماعية تحدد ما يجوز للمرأة قوله، وما ينبغي أن تلوذ بالصمت حياله؛ وفي ظل هذه الحدود، قد يصبح الصمت سلوكاً مفروضاً، ويغدو الكلام خارج المألوف مجازفةً لا ترحم عواقبها صاحبتها.
من هنا، أقرأ العنوان بوصفه دعوةً إلى كسر القيد، واستعادة الصوت، والخروج من المساحة التي رُسمت للمرأة كي تتحرك داخلها؛ فشهرزاد ليست مطالبةً بأن تظل حبيسة الدور الذي اختاره لها الآخرون، ولا بأن تحكي ما يُسمح لها بحكايته فحسب؛ إنها مدعوة إلى أن تبدأ سرديتها الخاصة، وأن تضع تجربتها في مشهد الحدث، وأن يكون لها رأيها ورؤيتها.
إنَّ أجمل ما توحي به هذه العتبة أن شهرزاد لن تنتظر من يتحدث نيابةً عنها؛ إنها تتولى رواية قضيتها، وتعرض تفاصيلها، وتكشف ما تعرفه من خباياها، كما لو أنها تقف أمام عدالة الحياة مترافعةً عن نفسها؛ فليس أقدر على التعبير عن التجربة من صاحبها، وإن كان الآخرون قادرين على الإصغاء إليها وفهم أبعادها؛ إن حضور صوت المرأة لا يلغي الأصوات الأخرى، وإنما يضع حداً لاحتكار تمثيلها، ويمنحها حق المشاركة في تفسير حياتها.
كما أنَّه هنا تتجاوز الدعوة حدود حرية التعبير إلى معنى أوسع؛ فأن تحكي المرأة يعني أن تبدي ما في نفسها، وأن تشارك في تشكيل الفكر والرؤية، وأن تكون شريكةً في صناعة الأدب والأفكار والحياة؛ فالتحرر لا يكتمل بمجرد السماح للصوت بالظهور، وإنما حين يُنظر إلى ما يحمله ذلك الصوت من معرفة وخبرة وثروة فكرية بوصفه إضافةً تستحق الإصغاء والمناقشة، وقادرةً على التأثير في الوعي وتغيير المواقف.
إنها دعوة إلى نقل المرأة من موقع المتأثر إلى موقع الفاعل، ومن شخصية تتشكل ملامحها في سرديات الآخرين إلى ذات تشارك في كتابة سرديتها، وتمسك بشيء من خيوط الموقف وإدارته؛ فالحكاية ليست ترفاً لغوياً، وإنما وسيلة لفهم العالم، وإعادة النظر في مسلّماته، وإظهار ما غاب عن الرؤية أو تعمّد البعض إبعاده عن الضوء.
من هذه الزاوية، تبدو عتبة « احكي يا شهرزاد » موفقةً إلى حد بعيد؛ إذ تكاد كل كلمة فيها تستدعي عالماً من المعاني، ويكاد العنوان وحده يفتح أبواب المجموعة قبل أن نطوي صفحاتها؛ ولو بقي العنوان وحيداً، تتبعه صفحات بيضاء، لربما وجد فيه المتأمل مادةً كافيةً لرحلة طويلة بين المبنى والمعنى، وبين ما تقوله العبارة وما توقظه في الوعي من دلالات.
مع ذلك، فإن النصوص هي التي تمنح هذه التأويلات مداها، وتختبر قدرتها على ملامسة التجربة الأدبية في تفاصيلها.
« احكي يا شهرزاد »… ليست دعوةً إلى أن تروي المرأة حكايتها فحسب، وإنما إلى أن تستعيد مكانها في الحكاية الإنسانية، وأن يصبح صوتها جزءاً من تشكيل المعنى، لا مجرد صدىً له؛ وحين تتشابك خيوط الحكاية بين من يروي ومن يصغي، قد لا يعود ممكناً تمييز اللحظة التي انتهت فيها شهرزاد من الكلام، وبدأ العالم يعيد النظر في الإصغاء.
الثلاثاء ٢٠ اكتوبر ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن
