
فؤاد الجشي
لم يؤلمني مشهدٌ في هذا الصباح بقدر ما آلمني بكاء الكاتب الجزائري حامد ياسين، الذي جاء ليحتفل بكتابه الجديد، فوجد القاعة فارغة إلا من صديقٍ واحد.
تخيّلتُ كم من الأحلام حملها معه إلى ذلك الموعد، وكم مرة رسم في خياله وجوه القراء، وأسئلتهم، وتصفيقهم، وكم من الشغف خبّأه في قلبه وهو ينتظر لحظة يلتقي فيها بكلماتٍ طالما سهر من أجلها، لكنه حين فتح باب القاعة، لم يجد سوى مقاعد صامتة، وفراغٍ كان أقسى من أن تحتمله عيناه.
لم يكن يبكي كاتبٌ غاب عنه جمهور فحسب، بل كان يبكي حلمًا انتظر أن يراه حيًّا، وجهدًا أراد أن يشاركه مع الآخرين، وربما سؤالًا موجعًا: ما جدوى أن نكتب، إذا لم نجد من يصغي إلينا؟
إنها ليست حكاية كاتب جزائري وحده، بل وجع ثقافي يطرق أبواب مجتمعاتنا العربية؛ حيث قد تمتلئ القاعات من أجل الترفيه، بينما تبقى مقاعد المعرفة شاغرة، ويجد الكتاب صعوبة في الوصول إلى إنسانٍ استهلكت الشاشات معظم وقته وانتباهه.
ومع ذلك، ليس من العدل أن نلوم الناس وحدهم؛ فثقافة القراءة لا تُبنى بالمواعظ، بل بالبيوت التي تصادق الكتب، والمدارس التي توقظ شغف المعرفة، والمؤسسات التي تجعل الثقافة جزءًا من حياة الناس، لا مناسبة عابرة، لكن أكثر ما أوجعني في المشهد أن رجلًا جاء ليحتفل بفرحته، فعاد وهو يحاول أن يخفي انكساره بيديه.
وربما كان صديقه الذي حضر وحده أكثر قيمة في تلك اللحظة من قاعةٍ ممتلئة؛ لأنه بقي إلى جواره حين غاب الآخرون، وشهد وجعه حين كان ينتظر أن يشهد فرحته.
ولا ينبغي أن تكون الكراسي الفارغة حكمًا على قيمة الكاتب أو كتابه؛ فعدد الحاضرين لا يقيس عمق الفكرة، ولا يحدد أثر الكلمة، فقد تكفي صفحة واحدة لتغيّر حياة إنسان، وقد يصل كتابٌ إلى قارئٍ واحد فيصنع في داخله ما تعجز عنه حشودٌ كاملة.
إن ما حدث يستحق أن نتأمله، لا لنشفق على الكاتب فحسب، بل لنسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بالكتاب في بيوتنا؟ وأي علاقة نزرعها في نفوس أبنائنا مع المعرفة؟ وهل ما زال للكلمة العميقة مكانٌ في عالمٍ يركض خلف كل ما هو سريع وعابر؟
ترويقة:
الثقافة لا تموت حين تخلو قاعة من جمهورها فقط، بل حين يصبح غياب الكتاب أمرًا لا يوجعنا، وحين نرى انكسار صاحب الكلمة ثم نمضي دون أن نسأل أنفسنا عن نصيبنا من هذا الغياب.
ومضة:
أخشى أن يأتي يومٌ نعتاد فيه بكاء المثقفين، فنواسيهم بكلماتٍ جميلة، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئًا لم يحدث.
✒️ صَالِح الرِّيمِي
كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك
