الأستاذ الدكتور حسن أحمد الخولى
أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة عين شمس بالقاهرة – مصر
بدعوة كريمة من الأديبة والشاعرة الأستاذة إخلاص فرنسيس رئيسة المركز الدولى للأبحاث والندوات غرفة19 بكاليفورنيا ، تشرفت بالمشاركة فى ندوة عقدها المركز – عبر تطبيق زووم – يوم الإثنين 19 أكتوبر 2026 فى الفترة من 8 – 10.15 مساء بتوقيت القاهرة ، لمناقشة مجموعتين قصصيتين للدكتورة درية كمال فرحات / لبنان ، عنوان أولاهما “احكى ياشهرزاد” ، والأخرى “وجهان ، ووجوه أخرى” . وناقشهما من الأساتذة الأدباء والنقاد كل من : د.دورين نصر ، و د. أمل بوحرب ، و د.حمّام محمد ، و د.مريم الهاشمى .
لقد جذبنى للمشاركة فى هذه الندوة القيّمة أنها تتصل فى موضوعها بالندوة الافتتاحية للموسم الثقافى لقسم الاجتماع بكلية البنات للآداب والعلوم والتربية – جامعة عين شمس بالقاهرة ، التى عقدت بمقر القسم يوم الإثنين 12 أكتوبر 2026 ، وقدمتُ فيها – كاتب هذه السطور – موضوعا بعنوان “صورة المرأة فى الأدب والفن والإعلام ، مع الاستشهاد بنماذج فى هذا المجال” . كما تتصل أيضا بندوة عقدتها الغرفة19 فى مساء نفس ذلك اليوم – عبر تطبيق زووم – بعنوان “الرؤية المنهجية فى قراءة التراث” ، وقدم فيها د.خيرالله سعيد / العراق نظريته الخاصة فى هذا المجال كما تتضح فى كتابه بعنوان “الموروث الشعبى بين حقيقة التراث والبحث فيه ، حكايات ألف ليلة وليلة أنموذجا” . كما تذكرنى بالدراسة الأنثروبولوجية الميدانية المتعمقة التى تتبّع فيها فريق أنثروبولوجى متخصص أوضاع المرأة وأدوارها وأنشطتها فى 200 أسرة بعدد من القرى والأحياء الحضرية بمحافظتى الفيوم والقاهرة فى ثمانينات القرن الماضى ، على امتداد ثلاث سنوات وتسعة أشهر ، وصدرت تفاصيلها فى كتاب بعنوان “أ.د.علياء شكرى ود.حسن الخولى ود.أحمد زايد ؛ المرأة فى الريف والحضر ، دراسة لحياتها فى العمل والأسرة ، دار الثقافة ، القاهرة ، 1988” .
ولقد قرأتُ قصص المجموعة الأولى – إحكى يا شهرزاد – قراءة مدققة ، وأشير إلى بعض ملامحها بإيجاز فيما يلى :
تميز وجودة الشكل والإخراج ، فقد بلغ إجمالى عدد صفحاتها (135) صفحة مشتملة على مقدمة ، و(34) قصة ، موزعة على أربعة محاور : أولها بعنوان “حكايات شهرزادية” ويشمل (
قصص طويلة ، وثانيها بعنوان “وطنيات شهرزادية” ويشمل (5) قصص طويلة ، وثالثها بعنوان “شهرزاديات” ويشمل (15) قصة قصيرة ، ورابعها بعنوان “شهرزاد والحياة” ويشمل (6) قصص قصيرة جدا .
تزويد الفواصل بين محاورالمجموعة بعدد من أقوال بعض المشاهير ذات الدلالة والأهمية ، ومنها : زواتلى : “المرأة كالغصن الرطب ، يميل إلى كل جانب مع الرياح ، ولكنها لاتنكسر فى العاصفة” . نوال السعداوى : “أنا لاأفصل بين تحرير المرأة وتحرير الوطن” . سيمون دى بوفوار : ” إننا نحبس المرأة فى المطبخ أو فى المخدع ، وبعد ذلك ندهش إذ نرى أفقها محدودا ، ونقصّ جناحيها ثم نشكو من أنها لاتعرف التحليق” . توفيق الحكيم : “إن عقل المرأة إذا ذبل ومات فقد ذبل عقل الأمة ومات” . هذا بالإضافة إلى عدد من الصور ذوات الدلالة والمعنى أيضا .
إن احتواء المجموعة على عدد من القصص القصيرة والقصيرة جدا يشير إلى بعض جماليات السرد ، واقتدار صاحبتها وتمكنها وقدراتها الإبداعية . فالقصة القصيرة جدا قد تأتى فى كلمات محدودة ، ولكنها رغم ذلك تحمل فى طياتها معان ودلالات تتسع لشرحها صفحات مطولة ؛ ففى ص 110 ، ضمن قصص المحور الثالث – شهرزاديات – قصة بعنوان “خيبة” مكونة من عشر كلمات فقط هى : “فى ليلة وردية ، كان مزهوّا بوهم اللذة ، كانت تجرجر خيبتها” . يستطيع المتخصص فى علم الاجتماع العائلى تناولها من منظورالخلافات الزوجية الناجمة عن عدم قدرة الزوج على إرضاء زوجته جسديا ، واعتباره صورة من صور الظلم الذى قد تتعرض له المرأة إذا استمر الأمر بين الزوجين على هذاالحال ، مما قد يؤدى إلى وقوع الطلاق وتفكك الأسرة وما يترتب عليه من مشكلات نفسية واجتماعية وتربوية تتعلق بالأطفال ، إلى غير ذلك . وقد يتناولها الطبيب النفسى أوالأخصائى الاجتماعى فى سياق ماتعانيه الزوجة من إحباط وتوترات نفسية وعصبية تعوقها عن أداء أدوارها بكفاءة .
لقد استرعى انتباهى لأول وهلة عنوان هذه المجموعة – إحكى ياشهرزاد – فهو حافل بالدلالات عميقة المعنى ويشير إلى عبقرية د.درية فرحات فى استدعاء “شهرزاد” فى حكايات ألف ليلة وليلة الشهيرة ، التى استطاعت بذكائها وفطنتها وواسع حيلتها وإرادة الحياة لديها وتصميمها على النجاة بنفسها من سيف الملك “شهريار” الذى كان يتمتع كل ليلة بفتاة حسناء ثم يقتلها عند طلوع الفجر . كانت تحكى له حكاية مثيرة ومشوقة وهو يصغى إليها بإنصات حتى مطلع الفجر ، فتتوقف عن الكلام ، فيمهلها لليلة التالية ، وهكذا تتوالى الليالى وهو منجذب إليها حتى نجت بحياتها . لقد قدمت حكايات ألف ليلة وليلة دليلا ساطعا فى التراث الأدبى العربى على قوة المرأة الذكية الواعية ، وقوة الكلمة فى مواجهة السيف . كما أن د.درية قد استعارت إسم “شهرزاد” لنفسها وهى تكتب قصصها فى المجموعة التى بين يدى القارئ ، لتعبر عن أوضاع المرأة المعاصرة وقضاياها وما تتعرض له من مظالم وتحديات . وجدير بالذكر ، أن هناك فيلما سينمائيا مصريا يحمل نفس الإسم “إحكى ياشهرزاد” يتناول بعض قضايا المرأة وبعض صور الطلم الواقع عليها ، قد صدر منذ عدة سنوات .
وينطبق أغلب ماذكرناه سابقا على المجموعة القصصية الثانية – وجهان ، ووجوه أخرى – أيضا . فقد تفضل ضيوف الندوة بمناقشتهما بأعين خبراء ملمين ، كما دارت حولهما تعقيبات ومناقشات من الحضور والمتابعين غاية فى العمق والثراء والقيمة ، أكدت جميعها على أن الأدب مرآة المجتمع ، وأنه ينتظم فى وحدة تكاملية مع دوائر وأفرع المعرفة الأخرى ، حيث أن العمل الإبداعى الأدبى يحمل أبعادا ثقافية واجتماعية ، ونفسية ، وتاريخية ، ودينية ، وسياسية ، واقتصادية ، وقانونية ، وأخلاقية ، وتربوية ، وغير ذلك .
وبعد ، فإننى أتوجه بخالص التحية وأطيب الأمنيات بدوام التوفيق والإبداع والتألق للأستاذة إخلاص فرنسيس والغرفة19، ومنسقها العلمى د.حنا نعيم ، ومستشارتيها فى كل من لبنان والإمارات ، والأستاذة الدكتورة درية فرحات ، والأساتذة الدكاترة ضيوف الندوة ، والسيدات والسادة متابعيها الكرام .

