أ.د أنطوان يزبك
لا جدال في أن الشعب اللبناني في كل المناسبات، يعشق الزجل والشعر المحكي المتجذّر في التراث لدرجة العبادة!
عُرف عن اللبناني الأصيل من الأجيال الماضية وحتى يومنا الحالي، أنّه يحتفي بالشاعر الزجلي، و كأنّه قديس بين القديسين أو رجل دين متقدّم في الكهنوت أو المشيخة، أو جندي من رتبة قائد جيش أو حتى رئيس جمهورية.
وما علينا سوى أن نتخيّل جوقة من جوقات الزجل؛ وهي تحلّ في بلدة لبنانية، لتقيم حفلة، لنرى كيف يتهافت الشبان والكهول لاستقبالها وتحيّتها ومصافحة أعضائها وكأنهم رُسل قدموا من قبل نبيّ عظيم. الشاعر بالنسبة للمواطن اللبناني هو أكثر من قريب أو صديق ومكانته عالية جدا وموضعه في أعماق القلوب بين الضلوع وأكثر!
من ذكرياتي في سبعينيات القرن الماضي، مصادفات مرحة و مضحكة حتى، حصلت في البلدات والقرى، تصوّر لنا مدى حبّ الناس للشعراء ومنهم الشاعر موسى زغيب أطال الله بعمره، وكان الناس، خاصة في قرى كسروان يجلّونه أكثر من أي شاعر آخر، إذ من عادة اللبنانيين أنهم متى أعجبوا بشخصيّة معيّنة يؤلّهونها، وذلك تحديدا في المناطق خارج العاصمة بيروت ومنهم أطباء، رجال سياسة أو شعراء، يتحوّلون إلى أسطورة شعبية في مناطقهم كما ال [ رول موديل] في أيامنا وأكثر.
يعيش الرمز الكبير في مخيّلة الناس وكأنه البطل الأوحد والمثال الذي عليهم أن يتشبهوا به، لذلك يحتلّ قلوبهم و يملك على أفكارهم، ويمضون أوقاتهم يتناقلون أخباره وينسجون عنه الحكايات والخوارق.
ذات يوم وصل خبرٌ إلى قرية من قرى كسروان أن الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو وافته المنية وذلك سنة 1972. فأخذ شبان القرية يتداولون الخبر على أساس أنه حدث جلل، ففي تلك الأيام كانت وفاة زعيم سياسي أو رئيس جمهورية دولة عظمى كفرنسا لها وقعها وتأثيرها بين الناس.
بدأ رجل معروف عنه أنه ثرثار يروي للناس أن الرئيس الفرنسي بومبيدو له مكانة عالمية وسيُقام له مأتمّ عظيمٌ جدّا بحضور رؤساء وملوك الدول بأسرها وكلما ذكر رئيسا يبدي بقية الرجال إعجابهم ودهشتهم. إلى أن سأل أحدهم: هل سيدعون له النوبة (فرقة موسيقية ترافق الدفن) فأجابه الراوي: بالطبع! و تواصلت الأسئلة: هل سيكون هنالك رجال دين وشعراء ومفكّرين؟ وكان الرجل يجيبه دائما: بالطبع!
هل سيسير في موكب التشييع الجيش والقوى العسكرية والوزراء و النواب وكذا وكذا وكان الجواب دائما :
أجل بالطبع .. أجل…أجل بالطبع، و كلما حصل الرجل على جواب كان يقلب شفتيه و يقول أن المأتم سيكون فاشلا ولا أحد يعلق أو يسأل لماذا يقول ذلك، وفي نهاية المطاف سأل الرجل:
هل سيدعون له موسى؟( يقصد الشاعر موسى زغيب) وكان الشاعر موسى زغيب يقوم برثاء المتوفين بقصائد ( بتبكي الحجر ) كما يقولون.
حينئذٍ أجابه الراوي:
طبعا لا هذا الرئيس فرنسي ولا أحد يفهم اللغة اللبنانية.
نظر الرجل إلى محدّثه نظرة تشاؤم وحنق وقال أمام الحاضرين:
فإذن هذا الدفن فاشل ما لو طعمة، كنت عارف وعم قلكم هيك من الأول، ما في دفن له قيمة واعتبار إلا إذا دعوا إليه الشاعر موسى زغيب ليرثي الفقيد ! …
ومن المصادفات أيضا من التي أذكرها أيام سبعينات القرن الماضي، واحدة مضحكة و هي تلك التي حصلت حين بدأت تزدهر في كل مكان؛ حفلات راقصة صاخبة تعزف فيها موسيقى الروك أند رول والبوب ويرقص الفتيان والفتيات مع بعض رقصة ( الدجرك ) أو يتعانقون في رقصة( السلو ) الهادئة .
ففي قرية من قرى الاصطياف الجميلة وضعت لافتة في مدخل القرية تعلن عن افتتاح مقهى و ليلة الافتتاح ستكون هناك حفلة مجانية.
فرح شبان القرية و تدفقوا إلى المقهى في الليلة المذكورة ولكن ما لبث معظمهم أن غادروا خائبين بعد نصف ساعة.
أما سبب الخيبة فشرحه أحد الشبان على الشكل التالي:
قيل لنا أن هنالك”حفلة “فظننا أنها حفلة زجل ونجمها “موسى” ولكن طلعت غير شي رقص مجانين وعبط مغرومين! (وهو يقصد أسلوب الرقص المتّبع)
هذا دليل آخر على تعلّق الناس بالشعر الزجلي و هوسهم بالشاعر موسى زغيب، فكانوا يرونه في كل مكان؛ مأتم رئيس فرنسا أو حفلة على الطراز الحديث و كلمة حفلة هي بالنسبة لهم حفلة زجل لا غير نجمها الشاعر موسى زغيب! .
كانت فعلا أيام جميلة، نقية، هادئة، يعيشها الناس بمشاعرهم الصادقة والشفافة ولم تكن لوثة السوشيال ميديا قد أفسدت البشر و ضللت النفوس والعقول! .
