
بقلم : عماد عواودة ، ابو حازم ..
ثمة مدن لا تنتهي حكاياتها عند حدود شوارعها وأسواقها وبيوتها القديمة؛ إذ تظلّ لها حياة أخرى تسكن في ذاكرة أهلها، وفي الصور التي احتفظوا بها، والأوراق التي تناقلوها، والحكايات التي بقيت تتردد في المجالس جيلاً بعد جيل؛ وإربد، بما لها من تاريخ اجتماعي وثقافي، واحدة من تلك المدن التي تتسع ذاكرتها لأكثر من رواية، وتحتاج إلى أكثر من يد كي لا يتبدد ما بقي فيها من ملامح الأمس.
من هذا الباب تأتي السيرة الثقافية والتوثيقية « حمادة الشرايري : جهود في توثيق تاريخ إربد وذاكرتها الاجتماعية »، التي أعدّها وحرّرها الاستاذ جهاد الخصاونة في أكتوبر 2026 ، متخذاً من الأعمال المنشورة والشواهد المتاحة طريقاً إلى التعريف بتجربة « أحمد طلال الشرايري » ، المعروف باسم حمادة الشرايري؛ وهي سيرة لا تدّعي الإحاطة بكل تفاصيل حياته؛ فقد تركت ما لم تتوافر عليه مصادر كافية خارج متنها، وآثرت أن تقرأ الرجل من خلال ما تركه من كتابة وصورة وتسجيل ومشاركة ثقافية.
تتوزع صفحات الملف على سبعة فصول، تتناول حضوره العام، وإربد في الصورة والرواية، والذاكرة العائلية والتاريخ الشفوي، وعنايته بسيرة « علي خلقي باشا الشرايري »، ثم كتاباته الأدبية ومشاركاته الثقافية، وصولاً إلى الوثيقة وأمانة الذاكرة؛ ويلحق بهذه الفصول سجل زمني وفهرس للأعمال والمصادر، في محاولة لجمع مواد متفرقة في سياق يمكن الرجوع إليه ومتابعته.
في هذه الدراسة التوثيقية، لا تظهر إربد مدينةً من حجر فحسب؛ إنها وجوه أهلها، ومدارسها وأسواقها، وطرائق عيشهم، وما بقي من أثرهم في الصور القديمة والروايات العائلية؛ فالمدرسة ليست بناءً يتغير مع الزمن وحده، والسوق ليس موضعاً للبيع والشراء فحسب، والصورة القديمة ليست ورقة صامتة؛ إذ قد تحمل كل واحدة منها طرفاً من حكاية إنسان، أو شاهداً على تحوّل اجتماعي، أو اسماً كان سيغيب لولا أن أحداً تنبّه إلى قيمته.
يبرز في هذا الملف اهتمام « حمادة الشرايري » بالموروث العائلي والتاريخ الشفوي، وبما يتصل بسيرة « علي خلقي باشا الشرايري » من مذكرات ومواد مرئية وندوات؛ كما يحضر وجهه الأدبي في الخاطرة والمقال والقصيدة، وتظهر صلته بالمدينة في أعمال تناولت وسط إربد وأحوالها وذاكرتها؛ وهكذا تتجاور في تجربته الكلمة والوثيقة؛ فإحداهما تعبّر عن الوجدان، والأخرى تحفظ الشاهد، وكلتاهما تتيحان للمدينة أن تروي شيئاً من سيرتها.
إن ما يمنح هذه السيرة معناها الأعمق أنها لا تكتفي بجمع الأعمال، وإنما تذكّرنا بأهمية الجهد الذي يبذله الأفراد في خدمة الذاكرة المحلية؛ ومن الشواهد اللافتة على ذلك ما ورد في الصفحة السادسة عشرة، حيث أُشير إلى مقالة عماد عواودة ؛ « لملمة هوية من الصناديق العتيقة »، المنشورة في مجلة «غرفة 19» في أبريل 2026 ؛ وقد جاءت المقالة استجابةً لما أثاره « حمادة الشرايري » حول ضرورة حفظ الوثائق والأوراق العائلية والصور القديمة، والتنبه إلى ما تختزنه البيوت من شواهد قد يبددها الإهمال أو يطويها النسيان.
كانت الفكرة في المقالة أن التاريخ لا يُصنع من الوقائع الكبرى وحدها؛ فثمة تاريخ آخر يتخفى في رسالة قديمة، وصورة عائلية، ووثيقة مطوية في صندوق مهمل؛ وحين تضيع هذه الشواهد، لا نفقد أشياء مادية فحسب، بل نفقد معها مفاتيح لفهم الناس وأحوالهم، وصلاتهم بالمكان الذي عاشوا فيه؛ ومن هنا تلتقي المقالة مع الجهد الذي يوثقه الملف : دعوة إلى أن نرى في الموروث المنزلي جزءاً من ذاكرة المدينة، وأن ننقذه قبل أن يصبح البحث عنه ضرباً من استعادة المستحيل.
إذا كانت هذه السيرة قد جمعت جانباً من عمل أحمد طلال الشرايري، فإنها تفتح المجال لرؤية أوسع لأبناء إربد الذين جعلوا من الكتابة والبحث والتوثيق طريقاً إلى صون تراثها ؛ يحضر في هذا السياق « الأستاذ رائد حجازي »، بما يقدمه من عناية بالتراث الشعبي وتفاصيل الحياة القديمة، و « الدكتور مطلق ملحم »، والمرحوم « الدكتور أحمد شريف الزعبي »، بما خلّفاه من عناية بالتراث الشعبي وأشكاله ومعارفه، كما تحضر « الأستاذة مرام رحمون » ضمن الأسماء التي تستحق أن تُقرأ أعمالها في إطار الاهتمام بالمدينة وموروثها؛ وتختلف مسارات هؤلاء وأدواتهم، غير أن إربد تظل خيطاً يصل بين جهودهم، ويمنحها معنى يتجاوز العمل الفردي.
إن ذاكرة المدينة أوسع من كتاب، وأرحب من أرشيف، وأبقى من أن يحملها شخص واحد؛ إنها حصيلة أيدٍ تلتقط، وأقلام تكتب، وعيون ترى في التفاصيل الصغيرة ما قد لا يراه العابرون؛ وكلما جُمعت شهادة إلى أخرى، اقتربت صورة المكان من ملامحها؛ لا صورة مكتملة لا تقبل الإضافة، بقدر أنها صورة حية تظل قابلة لأن يضيء جانباً منها صوت جديد، أو وثيقة ظلت طويلاً في صندوق عتيق، أو اسم انتظر من يردّه إلى موضعه في الحكاية.
إن أجمل ما يمكن أن تتركه هذه السيرة وراءها أنها لا تغلق باب الذاكرة على ما جمعته؛ فما زالت في إربد بيوت تحتفظ بأسرارها، ووجوه لم تُروَ حكاياتها، وأسماء مرّت في الحياة العامة من غير أن تنال ما تستحقه من عناية. وبين ما حُفظ وما ينتظر أن يُكتشف، تظل المدينة تترك لأبنائها مساحةً يواصلون فيها كتابة ما لم تقله الحكاية بعد.

(الخميس ٢٢ اكتوبر ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )
