بقلم الكاتب أعراب خالد
الدولة الجزائر

في حي الفوالة، بجوار حي الرحاكالانج، وبالقرب من معبد اليهود، كان دكان الكوردوني واحدا من تلك المحلات الصغيرة التي تختصر حكاية حي بأكمله. بين رفوف الأحذية المتراكمة ورائحة الجلد والغراء، وعلى مقربة من سوق التوابل الذي تفوح منه روائح البهارات والفول والحمص، كانت الحياة تدب في المكان منذ الصباح. هنا، في قلب باتنة القديمة، لم تكن الدكاكين مجرد أماكن للبيع والعمل، بل مجالس مفتوحة تلتقي فيها الوجوه وتتقاطع الأخبار وتولد الحكايات. كان الكوردوني إسكافيا ماهرا، يعرف كيف يعيد الحياة إلى حذاء أنهكه الطريق، لكنه اشتهر أيضا بسرعة بديهته وخفة ظله. لم يكن يحتاج إلى وقت طويل ليجد جوابا لسؤال محرج، ولا إلى مناسبة خاصة ليحوّل نقاشا محتدما إلى ضحك. كانت يداه تخيطان الصباط ولسانه ينسج الحكايات، وكأن لكل منهما خيطه الخاص. لم يكن زبائنه وحدهم من يقصدون الدكان، فباعة الفول والحمص وأصحاب الحرف المجاورة ورواد سوق التوابل كانوا يتخذون منه محطة للاستراحة وتبادل الأخبار. يدخل أحدهم ليسأل عن إصلاح حذاء، فيجد نفسه بعد دقائق غارقا في نقاش عن الجيران أو الأسعار أو السياسة. وكان الكوردوني يتابع عمله دون أن تفوته كلمة، يلتقط تفصيلا عابرا ثم يقذف به في المجلس كمن يلقي حصاة في ماء راكد.
وذات يوم، بينما كان يخيط حذاء قديما، دخل أحد معارفه وألقى السلام ثم جلس بالقرب منه. مال إليه الكوردوني وخفض صوته قائلا إن صديقه فلانا لا يكف عن ذكره بسوء في غيابه.
تبدل وجه الرجل وبدأ يسأل عن الكلام الذي قيل ومن نقله ومتى حدث ذلك. أما الإسكافي فواصل التخياط ببرود، يجيبه بكلمات قليلة تزيد الشك في قلبه، حتى غادر الرجل الدكان غاضبا وكأنه خرج للتو من معركة لم يكن مستعدا لها.
ما إن ابتعد حتى انفجر الكوردوني ضاحكا، والتفت إلى الجالسين قائلا : كاين اللي يدخل عندي بصباط مقطوع ويخرج بيه مخيط، وكاين اللي يدخل بصباط صحيح ويخرج بمشكل جديد! تعالت الضحكات، لكن أحد الحاضرين حذره من أن تنقلب عليه لعبته، فرد بابتسامته المعهودة الهدرة كي الخيط، إذا شدّيتها بزاف تنقطع، وإذا خليتها على راحتها تخيطلك حكاية كاملة!
كانت تلك طريقته في إشعال المجلس، وإن لم تكن كل حكاياته بريئة من المشاغبة. فقد كان يعرف أن كلمة واحدة قد تشعل خصومة، وأن نكتة في وقتها قد تطفئها، لذلك كان يستمتع بمراقبة ردود الأفعال، ثم يتدخل قبل أن تتحول الضحكة إلى زعل حقيقي.
لكن أكثر النقاشات سخونة كانت تبدأ كلما اقترب موعد الداربي الباتني بين شباب باتنة ومولودية باتنة. عندها ينقسم الدكان إلى معسكرين، أنصار الكاب من جهة وأنصار البوبية من جهة أخرى. هذا يتحدث عن قوة الهجوم، وذاك يستعيد هدفا قديما، وثالث يتهم الحكم بالانحياز قبل أن تبدأ المباراة أصلا!
كان كل مناصر يدخل وهو متأكد أن فريقه سيفوز، ويخرج أكثر اقتناعا من ذي قبل. وإذا ذكّره أحد بنقاط ضعف فريقه، انطلقت المبررات من الحكم وأرضية الميدان إلى سوء الحظ وغياب لاعب أساسي. أما الهزيمة فلا أحد يريد حتى التفكير فيها. كان الكوردوني يتركهم يتجادلون إلى أن يبلغ النقاش ذروته، ثم يرفع رأسه عن الحذاء ويقول لمناصر الكاب
فريقك هو اللي يربح اليوم، ما تخافش! ثم يلتفت إلى مناصر البوبية ويؤكد له الكلام نفسه. وحين يحتج الأول ويصرخ الثاني، يضحك قائلا أنا خدمتي نصلّح الصباط، أما الفرق صلّحوها أنتم مع المدربين! فتتعالى الضحكات ويعود كل واحد إلى الدفاع عن فريقه، بينما يعود الكوردوني إلى خيطه وإبرته. فالداربي عنده لم يكن مجرد مباراة تنتهي بصافرة الحكم، بل حكاية تمتد إلى المقاهي والدكاكين وتعيش أياما بعد اللقاء. وقد يختلف صديقان حول هدف أو قرار تحكيمي، لكنهما يلتقيان في اليوم التالي ويتبادلان السلام، لأن المنافسة في الملعب شيء وعشرة الحومة شيء آخر.
وخارج كرة القدم، لم تكن أحاديث الدكان أقل إثارة. الأسعار وأحوال المعيشة وأخبار الجيران وما يحدث في المدينة، كلها مواضيع قابلة للنقاش. وقد يبدأ الحديث برأي جاد ثم يتطور إلى جدال حاد، قبل أن يتدخل الكوردوني بتعليق ساخر يعيد الهدوء إلى المجلس. كان يعرف أن الناس يأتون محمّلين بهمومهم، وأن الضحك ولو لدقائق قد يخفف عنهم بعض ثقل الحياة. وكانت الأخبار تصل إليه من كل اتجاه. يبدأ الخبر عند بائع الفول، ثم ينتقل إلى أحد أصحاب الحرف، ويضيف إليه متسوق من سوق التوابل تفصيلا جديدا، حتى يصل إلى الدكان وقد تضاعفت أحداثه. يستمع الكوردوني بانتباه، فإذا اكتشف تناقضا بين روايتين أمسك به فورا وأطلق تعليقا يجعل صاحب الخبر نفسه أول من يضحك. ومع ذلك، لم يكن الناس يقصدونه للفرجة وحدها. فقد كان يحسن الاستماع ويعرف متى يمزح ومتى يصمت. يدخل رجل مهموم، يجلس في زاوية الدكان ولا يكاد يتكلم، ثم يجد نفسه بعد قليل مشاركا في الحديث، يضحك وينسى مشكلته لبعض الوقت. وربما غادر دون أن يصلح حذاءه، لكنه كان يخرج أخف نفسا مما دخل. كان الدكان ضيقا، والأحذية تملأ زواياه، والكراسي قليلة، لكن المجلس كان يتسع للجميع. لكل واحد مكانه وحكايته، ولكل غائب سؤال عنه. وإذا افتقد الجالسون وجها مألوفا، سألوا عن صاحبه قبل أن يسألوا عن سبب غيابه. في تلك الباتنة القديمة، كانت الأسواق والدكاكين تنبض بحياة مختلفة. الناس يلتقون وجها لوجه، ويتبادلون الأخبار والنكات، ويختلفون ثم يتصالحون، وتظل بينهم روابط تتجاوز البيع والشراء. وكان الكوردوني واحدا من أولئك الذين يمنحون المكان روحه، فلا يحتاج إلى منصب أو شهرة كي يكون معروفا، إذ تكفيه مهنته وابتسامته وقدرته على تحويل أبسط موقف إلى حكاية يتداولها الناس. ربما تغيرت الحومة، واختفت دكاكين ورحل أصحابها، لكن صورة الكوردوني بقيت عالقة في ذاكرة من عرفوه. رجل ينحني فوق حذاء ممزق، بينما يشارك في نقاش عن الكرة، ويرد على خبر غريب بنكتة، ويترك خلفه مجلسا يضج بالضحك. في دكانه كان الصباط يتخاط بإبرة وخيط، أما الهدرة فكانت تخيط بين الناس حكايات وذكريات لا تنقطع
