الابعاد التي شملها د. حنا في محاضرته الثمينة تثير الكثير من الأسئلة والإجابات وهو أفضل وصفٍ للمحاضرة الناجحة.
عبر التاريخ كانت العمارة تتسق مع البيئة الطبيعية وأمن الساكنين تجاه الأخطار البيئية. وبتغيُّر الموجات الحضارية من الحضارة الزراعية والحضارة الصناعية وحضارة الموجة الثالثة التي نعيشها الآن (حسبما يصنفها آلڤن توفلر). كان التغيير في وسائل الإنتاج وعلاقات الانتاج يغيّر القِيَم المجتمعية (حسب ما يقول ماركس).
وفي كل ذلك كانت القوة بمساندها الثلاث؛ المال والسلاح والعلم/والمعلومات (توفلر) تنعكس على العمارة عندما صارت على مستويين؛ العمارة الرسمية وعمارة المساكن، وتوزيعهما المدني. وبدأت الثقافة المجتمعية بعلاقتها المعقدة بالمعتقدات الدينية منذ عصر الاساطير في تفسير الظواهر البيئية وعلاقتها بالناس. ورغم ظهور الاديان كثورة على آلهة الأساطير بقيت الاساطير واستمرت بوجوهٍ أُخرى في التراث الشعبي بعد تحول حاضنتها من الرجل الى المرأة! وانعكس ذلك على العمارة بين عمارة الرجال في قصور الحُكّام وعمارة النساء في البيوت. لذلك نرى القوة وال”فحولة” في الأبنية والقصور الرسمية، والحرص والمخاوف “الانثوية” في تفاصيل البيوت. ولا انكر بالتأكيد اللمسات الانثوية في التفاصيل الدقيقة للابنية والقصور الرسمية.
هذه التفاصيل الموروثة من المخاوف المجتمعية كالتفاؤل والتشاؤم وال”رزق” والحظ والامراض وكيفية مواجهتها برموز اسطورية متوارثة تسمى اليوم الرقى والرموز والأحجبة والطلاسم بين محاولة رفع الضرر عن الذات أو القاؤه على الآخرين. وهنا يأتي دور ال”صنايعية” والحرفيين في ترجمة هذا التراث الانساني الى آيقونات ورموز والتي صارت علماً كُتِبَ عنه الكثير. فالترجمة الفنية للرموز هي صناعة والوجه الآخر للصناعة هو التسويق، فشجعوا المخاوف وقدموا لها الحلول الرمزية والتي رسختها المرأة ونقلتها لأجيالها بنين وبنات فصارت عادية في التداول للاناث ومكبوتة لدى الذكور بعض الشيء بدعاوى “الذكورية” في المجتمعات البطرياركية، والتي يمتد تأثير عقليتها حتى الآن بشكل أو بآخر.
وهذه الرموز ظاهرة في أشغال النحاس في العصر البرونزي والحديد في العصر الحديدي، وأشغال الخشب (وهو الأسهل في التشكيل). وتمت ترجمتها في اضافة الرموز الى زخرفة الأبواب والشبابيك وتوجيه فضاءات البيت وتحديد المساحات والاحجام، ولعب المنجمون والكهنة دوراً مضافاً لدور الصنايعية بحكم طبيعة الأشياء، في تسويق المعتقدات لأسباب مصلحية مادية ومعنوية.
إن فهم التفاصيل الاجتماعية وراء التشكيلات الفنية مبتغى كل باحث في الأنثروبولوجي والتراث الثقافي للبشر أن يفهم من أين جاءت وكيف ترجمت عملياً الى انجاز يحقق الرغبات والمخاوف والاماني والتطيُّر والتفاؤل والتشاؤم والترويج للمصالح والمعتقدات والوصول الى نتائج ترضي جميع الاطراف ويخرج الكل رابحون؛ المرأة والرجل والصانع والكاهن والتجارة البينية حتى الوصول الى السياسة الصغيرة والكبيرة على كافة المستويات للمجتمع.
والباحث لو لم يستطع فهم جذور ما وراء “أشغال الحديد في العمارة الشعبية” لن يتاح له في زحام الحداثة أن يعي ما تعنيه وهو يندرس بما يمر عليه من أحداث وأزمان. لذلك فالدكتور حنا قد وضع اصبعه على الجرح، وهو “يقرع ناقوس الذكرى في وادي النسيان”. سيفوتنا الكثير من الادراك للحراك الاجتماعي ما لم نعمم دراساته كركيزة للبحث في الاصول الانسانية وراء الانجازات المدنية ورموزها التي لم تنشأ عن فراغ.
