بقلم: أياد النصيري
***
تأخذنا الشاعرة عبير دريعي في نصها جنون عامودا إلى رحلة وجدانية عميقة، لا تُقاس بالمنازل والأحياء بل تُقاس بمقدار ما يحمله الفؤاد من شوك الحنين ودفء الانتماء. هنا، لا تظهر عامودا مجرد اسم لمدينة غائبة أو نقطة على خريطة الجغرافيا، بل تبدو كائناً حياً يتنفس مع الشاعرة يشاركها الأسى ويفتح لها أبواب الأمل.
تستعيد القصيدة بأسلوب سلس ورقيق تلك اللحظات الفاصلة بين الجرح والتعافي؛ فمن ركام الفجيعة وذاكرة الحزن العتيق تُبعث الحياة مجدداً ليخضرّ العشب ويغدو الأنين إيقاعاً للنهوض. إنها قراءة تحاول الإمساك بخيط الضوء الذي غزلته الشاعرة بين طيات السطور لنرى كيف يتحول الشوق إلى نهر لا يهدأ، وكيف تصير المدينة في النهاية هي الجهة الوحيدة التي لا يضل عنها القلب
في نصها الوجداني جنون عامودا تشيّد الشاعرة عبير دريعي معماراً شعرياً ينصهر فيه المكان بالذاكرة، وتتحول فيه الجغرافيا الصماء (عامودا) إلى كائن حي نبضٌ، وبوصلة وجودية تتجاوز الإحداثيات المادية لتستقر في عمق الروح.
يبدأ النص باستهلال استرجاعي يمزج بين البراءة والتراجيديا– فتعبير –في جنونِ ظهيرةٍ سَكرى / تجمّعوا / ولعبوا لعبة– يستدعي إلى الذاكرة الإرث التراجيدي للطفولة والمدينة (ذاكرة سينما عامودا والمأساة التاريخية)، حيث تتجاور اللعبة مع اختناق الأرواح. إلا أن الشاعرة تخلق توازناً درامياً ساحراً ببعث الحياة من رحم الألم- –واستيقظ العشب ندياً / وتراقصت البيادر على أنغام الأنين– هنا يتحول الأنين من دلالة على الوجع إلى إيقاع يبعث الطبيعة من جديد.
تتجلى قوة النص في تقنية “أنسنة” المدينة؛ فعامودا ليست مجرد خلفية للأحداث بل هي –سيدة المكان– التي تسقي العصافير وتطعم الحنطة. تعتمد الشاعرة على صور بصرية وحسية مكثفة
الصورة البصرية/الحلمية— تبني الفراشاتُ أكاليلَ من أجنحتها / وتنسجُ من ضوء القمر / عباءةً لبيوتها القديمة.
الصورة الحسية/العطش للانتساب– وكانت المناقيرُ عطشى إلى ينابيعها– وبحرٌ من الحنين لا يعرف الارتواء.
هذا التكثيف الصوري يمنح النص بُعداً صوفياً يجعل العلاقة بالمدينة علاقة عشق عتيق، يتداخل فيها الصمت بالموسيقى ليكونا معاً صوتاً وحيداً ينطق باسمها.
ينتقل النص في قسمه الثاني إلى المساءلة الوجودية من خلال الحيرة والانتظار. تظهر الذكريات كأغنية لا تنتهي، ويتحول الشوق إلى لهيب وسؤال مفتوحمتى. وأين… سينبت العشب مجدداً؟ استخدام الاستفهام والعبارات المقطعة يعكس حالة التيه والبحث عن الخلاص، حيث تغدو الدروب المغبرة رمزاً للشتات والانتظار.
تصل القفلة الشعريّة إلى ذروة التكثيف والجمال البلاغي، حيث تصيغ الشاعرة معادلة مكانية واستعارية حاسمة
جميعُ الطرقِ تنتهي… / إلا الطريقَ إلى عامودا، / فثمّةَ طرقٌ تصلُ إلى المدن / وطريقٌ واحدٌ يصلُ إلى القلب
تتدرج الصورة حتى تصل إلى الحقيقة المطلقة للنص–عامودا ليست جهةً على الخريطة / إنها بوصلةُ القلب حين تعجزُ الجهات–. هذه الخاتمة تحول عامودا من مجرد مدينة كوردية ذات تاريخ وحاضر إلى ملاذ روحي ومفهوم مجرد للرشد والاهتداء عند ضياع الاتجاهات
جاءت لغة النص هادئة، انسيابية، تبتعد عن المباشرة والتقريرية، وتعتمد على إيقاع التفعيلة الحر والسطور القصيرة التي تمنح القارئ مساحة للتنفس والتأمل بين جملة وأخرى. نجحت عبير دريعي في تحويل الوجع الخاص لعامودا إلى حكائية إنسانية جامعة عن الانتماء والهوية والذاكرة العصية على المحو
جنون عامودا
/ بقلم عبير دريعي/
في جنونِ ظهيرةٍ سَكرى
تجمّعوا
ولعبوا لعبةً
من عهود الطفولة.
اختنقت الأرواح بالآهات
واستيقظ العشب ندياً
وتراقصت البيادر على أنغام الأنين.
كانت المدينةُ سيدةَ المكان،
تسقي العصافير من يديها
وتقرصُ حنطةَ قلبها
بنسيم الشوق.
وفي صمت الليل
تبني الفراشاتُ أكاليلَ من أجنحتها
وتنسجُ من ضوء القمر
عباءةً لبيوتها القديمة.
حيثُ المناقيرُ عطشى
إلى ينابيعها
كأنها بحرٌ من الحنين
لا يعرف الارتواء.
وكان الصمتُ
ولهاً .
موسيقى
صوتها
يهتفان بأسرار
العشق العتيق
وينطقان
باسمها .
كأنها حكايةٌ عن دربٍ طويل
ينساب بين
عامودا
و طينِ تاريخها
مدينةٌ
تسرد حكاية الوجود
وجسرًا أعبره
كلما ضلّت بي الجهات.
وفي قلبي تتراقص الذكريات
مثل أغنيةٍ
لا تنتهي
ويبقى الشوق
لهيباً لا يخبو
وسؤالٌ ينشد
الصمت
متى …
وأين …
سينبتُ العشب
مجدداً
هنا على هذه الدروب المغبّرة ؟
جميعُ الطرقِ تنتهي…
إلا الطريقَ إلى عامودا،
فثمّةَ طرقٌ تصلُ إلى المدنِ
وطريقٌ واحدٌ يصلُ إلى القلب.
عامودا…
ليست جهةً على الخريطة
إنها بوصلةُ القلب
حين تعجزُ الجهات.
