بقلم: الكاتب والباحث السوداني محمد طلب
اعتدت متابعة محاضرات (الغرفة ١٩) التي تقدمها الأستاذة الشاعرة إخلاص فرانسيس والمجموعة العاملة معها .. وحقيقة فإنها محاضرات قيمة .. ذات حضور نوعي .. مفتوح ومنفتح .. تتناول جوانب ثقافية وأدبية وتاريخية وحضارية في عالمنا العربي ….
والحقيقة أن المحاضرات واختيارات الموضوعات والمحاضرين تتحول جميعها إلى ما يشبه (الكلابيش) او القيود التي تجعلك سجيناً لما يُقدم لساعات .. لكنه سجن مختلف سجن مع حرية .. حرية عجيبة تجعلك أسير المحاضرة .. حتى بعد نهايتها سابحاً في فضاء ما قُدم تبحث عن إجابات .. وتطرح أسئلة ربما لا تحتاج إلى إجابة بقدر ما تولّد أسئلة أخرى كثيرة ..
ورغم (كلابيش) الغرفة ١٩ فإن عنوان مقالي هذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمحاضرة الاثنين ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ التي قدمتها الغرفة بالتعاون مع مركز الآداب الشرقية بعنوان (أشغال الحديد في العمارة الشعبية) وقد أمتعنا المحاضر اللطيف صاحب الطريق البديع في السرد .. الدكتور حنا نعيم حنا بحديثه عن أشغال الحديد في مصر تحديداً .. موضحاً بالصور كيف ارتبطت هذه الحرفة بالثقافة والمعتقدات والأديان .. في عرض بديع فتح أمامنا أبواباً عديدة للتأمل والبحث ….
ورد في المحاضرة كلام عن نبي الله داوود عليه السلام .. المعروف في الموروث الديني بمهارته في التعامل مع الحديد وهبها الله له .. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى :- (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) وهي جزء من الآية العاشرة من سورة سبأ تلك الحضارة القديمة المعروفة .. وقد أنعم الله على داوود عليه السلام بأن ألان له الحديد .. فكان يشكله كيف يشاء …
ومن بين ما أورده الدكتور حنا حكاية مفادها أن صعوبة الإمساك بالحديد لسبب ما .. دفعت سيدنا داوود عليه السلام إلى ابتكار أداة تساعده على القبض علي الحديد .. فألهمته هيئة رقدة الكلب صناعة مقبض عُرف لاحقاً باسم (الكلب) او (الكلّاب) لشبهه بالكلب حين يرقد مادّاً رجليه الأماميتين ..
توقفت عند هذه الحكاية .. وسألت الدكتور حنا عن مدى صحة هذا التفسير من وجهة نظره إذ إن هيئة الكلب حين يرقد ليست دائماً على الصورة التي توحي بها الحكاية .. ثم إننا في السودان نستخدم كلمة (كلبة) في سياق أقفال الأبواب الخشبية القديمة العتيقة ونقول إن الباب يُغلق (بكلبة أو كلبتين) .. وكان رد الدكتور حنا أنه ناقل للحكاية كما سمعها وهذا منهجه في النقل .. وهو ما ترك الباب مفتوحاً أمام البحث .. دون أن يعني ذلك ثبوت الرواية تاريخياً أو لغوياً …
وهنا تكمن إحدى مزايا محاضرات (الغرفة ١٩ ) فهي لا تمنحك المعرفة فحسب .. بل تدفعك إلى البحث عنها من غير (كلابيش) أو قيود !!!
بدأت أبحث في استخدامنا السوداني لعبارة (كلبة وكلبتين) وكنت أعتقد لوقت طويل أن هذه المفردات من العبارات النوبية المرتبطة بالأبواب الخشبية القديمة .. مثلها مثل (الكِشِر) أو (التِري) وهما تسميتان ترتبطان بالمفتاح الخشبي المستخدم في الابواب الخشبية القديمة .. وكذلك (الكَبد) التي تُطلق على الأُكرة وغيرها من مصطلحات نوبية قديمة ….
أما (الكلب أو الكلبتان) في سياق الأقفال الخشبية فهي الأسنان أو السقاطات الداخلية .. أي الخوابير التي تسقط في مواضع محددة لتمنع لسان القفل من التراجع .. فتحكم إغلاق الباب .. وهي أجزاء من منظومة هندسية تقليدية لتأمين المنازل .. تستحق الدراسة والتوثيق خصوصاً في مناطق شمال السودان والنوبة ….
لكن يبقى أصل هذه التسميات ومدى ارتباطها باللغة النوبية أو غيرها من اللغات القديمة .. أمراً يحتاج إلى بحث لغوي وتاريخي متخصص .. فالتشابه في اللفظ وحده لا يكفي لإثبات الأصل …
وقد زاد فضولي حين أشار أحد الإخوة المشاركين إلى استعمال كلمة (كلبة) عندما كتب تعليقاً انها عند اهل الجزائر تعني المطرقة الكبيرة .. فدفعتني ملاحظته إلى مزيد من البحث .. لكنني وجدت إشارات إلى استعمال الكلمة في سياقات أخرى لالجزائر تتصل بأدوات مثل (الزردية) و (الكماشة) وهي أدوات تُستخدم للإمساك بالأشياء والقبض عليها بإحكام .. وإن اختلفت وظائفها وأشكالها .. وهنا اتسعت دائرة الأسئلة فإلى جانب (كلبة) التي ذكرها دكتور حنا نعيم .. واستعمالنا الدارج بالسودان لمصطلح (كلبة) المرتبط بإغلاق الابوب الخشبية القديمة .. استوقفتني كلمتان إنجليزيتان هما (Clip) و(Clamp) .. فالأولى تأتي بمعانٍ متعددة .. منها المشبك أو أداة التثبيت .. والثانية تدل على أداة للقبض والتثبيت بإحكام …
وقد يدفعنا التقارب في بعض هذه الألفاظ ومعانيها إلى التساؤل عن صلاتها المحتملة .. لكنه لا يكفي وحده لإثبات وحدة الأصل أو الاشتقاق ..
ومن المفردات التي تستوقفنا أيضاً كلمة (كلابيش) المتداولة في العامية المحكية في كثير من الدول العربية .. والتي تعني القيود أو الأصفاد .. وترتبط في أصلها اللغوي بالكلمة التركية (Kelepçe) التي تعني الأصفاد أو القيود التي تُوضع في اليدين .. وهنا نكون أمام مثال لافت على انتقال المفردات بين اللغات والثقافات .. وإن كان تحديد مسار انتقال الكلمة إلى الاستعمال السوداني او العربي وتاريخ ذلك الانتقال يحتاج إلى توثيق لغوي …
فهل نحن أمام تشابه عارض في الأصوات والمعاني .. أم أمام أثر من آثار انتقال المفردات بين الشعوب ؟؟؟
وفي ختام هذه الرحلة القصيرة .. وجدت نفسي أميل إلى احتمال أن يكون الجامع بين بعض هذه الاستعمالات هو فكرة (القبض والإمساك والإحكام) فالكلب يمسك بفكه وأسنانه بقوة يصعب الفكاك منها .. وبعض أجزاء الأقفال تحكم إغلاق الأبواب .. والكماشة والزردية تمسكان بالأشياء بقوة .. وأدوات القبض على الحديد الساخن تؤدي وظيفة مشابهة .. لكن هذا يظل تأملاً في دلالات الكلمات ووظائفها .. لا دليلاً على اشتقاقها اللغوي والتاريخي …
إن تداخل اللغات وتوالد المفردات وانتقالها بين الشعوب موضوع واسع ومثير .. يستحق أن يتناوله المتخصصون في محاضرة علمية تكشف لنا كيف تنشأ الكلمات .. وكيف تنتقل وتتغير معانيها عبر الزمن .. ولذلك أقترح على (الغرفة ١٩) ومركز الآداب الشرقية تنظيم محاضرة متخصصة في تداخل اللغات وتاريخ المفردات وانتقالها بين الشعوب والثقافات .. لعل كلمة سودانية دارجة تقودنا إلى رحلة ممتعة في تاريخ لغات العالم …
أما العبد لله فكما يقول أهلنا بالسودان (زول عنقالي) أي إنه ليس متخصصاً في هذا المجال .. وإنما قاده الفضول من محاضرة عن أشغال الحديد في العمارة الشعبية إلى رحلة في اللغة والتراث …
والتحية والتقدير (للغرفة ١٩) والقائمين على أمرها .. وللدكتور حنا نعيم حنا .. الذي لم يكتفِ بإمتاعنا بمحاضرته .. بل جعلنا نواصل التفكير والبحث بعد انتهائها وما زلنا ..
فبعض المحاضرات تمنحك معلومة .. وبعضها يترك في رأسك سؤالاً لا يكف عن الحركة …
ويبقى السؤال قائماً هل تجمع بين الكلب والكلبة والكلابيش والكلبسات قرابة لغوية .. أم أن ما يجمع بينها مجرد تشابه في الصوت والوظيفة؟؟؟
سلام
محمد طلب
28/10/2026
محمد طلب
