بعض الأمسيات لا تنتهي بانطفاء ضوئها، ولا تغادر الذاكرة بانتهاء وقتها؛ لأنها تترك في النفس أثراً من الجمال، وفي الروح صدى من الكلمة التي قيلت بصدق، وأُدّيت بوعي، وحملت من الشعر ما يجعل الإصغاء إليها متعةً للفكر والوجدان.
من هذا المقام، نتقدم بخالص الشكر وعميق الامتنان إلى الإعلامي والشاعر العراقي الأستاذ محمد نصيف، على كريم استجابته ومشاركته في أمسية شعرية عبر منصة غرفة 19، اصطحبنا فيها إلى عوالم ديوانه « عشتار تشرق من جديد »، حديثاً عن تجربته الشعرية، وإلقاءً لقصائد تنبض بالحياة، وتكشف عن شاعر يمتلك أدواته، ويعرف كيف يمنح كلماته روحها، وكيف يعبر بها من الورق إلى وجدان المتلقي.
لقد كان حضوره استثنائياً، وأداؤه رفيعاً، سواء في المستوى الشعري الذي تجلّى في بنية القصائد وصورها ودلالاتها، أو في قدرته اللغوية والشعرية، وسلامة الإلقاء، وحسن الأداء، وتلك المهارة التي تجعل الشاعر لا يقرأ قصيدته فحسب، وإنما يسكنها ويمنحها من صوته وإحساسه ما يعيد خلقها أمام مستمعيه.
كانت أمسية ماتعة بحق، تجاوزت المألوف في مثل هذه اللقاءات، وارتقت إلى مستوى استحق معه الشعر أن يُصغى إليه بكل هذا الشغف.
والشكر والامتنان موصولان إلى الأديب والشاعر والأكاديمي السوري الأستاذ الدكتور عبدالحق الهواس، الذي أضاف إلى الأمسية عمقاً نقدياً ومعرفياً، من خلال قراءته لديوان « عشتار تشرق من جديد »، وهو الذي أنجز دراسة أكاديمية موسعة فيه تجاوزت أربعمائة وخمسين صفحة؛ في جهد يكشف عن تقدير حقيقي للتجربة الشعرية، وإيمان بأن القصيدة تستحق أن تُقرأ من داخلها، وأن يُنقَّب في طبقاتها الجمالية والدلالية، لا أن يُكتفى بظاهر القول أو عابر الانطباع.
وقد أضاء الدكتور الهواس جوانب من أهمية شعر محمد نصيف، وتوقف عند هندسته الشعرية، وما تنطوي عليه القصائد من بناء ورؤية وعمق، مستفيضاً في قراءتها، ومقدّماً نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الإبداع والنقد؛ علاقة لا تنتقص من وهج الشعر، وإنما تكشف عن منابع ذلك الوهج، وتمنح المتلقي مفاتيح إضافية للدخول إلى عوالمه.
إن ما جمعنا في هذه الأمسية لم يكن مجرد شاعر يقرأ، وناقد يعلّق، وجمهور يُصغي؛ وإنما كان لقاءً بين تجربة تبدع، وقراءة تتأمل، ومنصة تؤمن بأن الثقافة جسرٌ تتلاقى عليه الأرواح، مهما تباعدت الأمكنة.
لكما، أستاذنا محمد نصيف وأستاذنا الدكتور عبدالحق الهواس، خالص المحبة والتقدير، وعظيم الامتنان على ما منحتما هذه الأمسية من جمال ومعرفة وثراء. والشكر لكل من أسهم في إنجاح هذا اللقاء، ولكل من آمن بأن للكلمة الجميلة قدرةً على أن تجمعنا في فضاء إنساني رحب.
ستظل « غرفة 19 » ممثلة برائدتها الأستاذة والأديبة اخلاص فرنسيس ، والكادر القائم على هذه المنصة، مساحةً تليق بالكلمة حين تكون إبداعاً، وبالحوار حين يكون معرفة، وبالإنسان حين يجعل من الثقافة طريقاً إلى الإنسان.
دام الشعر مشرقاً، ودامت الكلمة جسراً بين القلوب، ودام لأهل الإبداع ما يستحقونه من تقدير واحتفاء.

( عماد عواودة ، ابو حازم )
