د.أنطوان يزبك
لا تتوقف مفاهيم الشعر عند محطة واحدة ، فالشعراء الجدد في الغرب من جيل الشباب يعيدون تشكيل خارطة الشعر و يشقّون له دروبا نحو مدارات غير متكشفة بعد و آفاق مترامية الأطراف، فلا يعوقهم فكر جامد أو أفكار متوارثة بل يمتحون من دواخلهم ماء الشعر المحيي الذي يعكس نقاوة قلوبهم وصراحة مشاعرهم .
وحتى يكتبوا شعرهم الصادق إبن الجيل الجديد لا تعيقهم وسائل التعبير الأكثر بساطة ولا تبهرهم الأكاديميات الجافة ، ما يريدونه من الحياة هو جوهرها و سهولة التعبير الصادق عمّا يجول في مشاعرهم لذلك استخدموا الكلمة الصافية من معين اللغة في طفولتها النقية.
من هؤلاء الشعراء أذكر ماريون فريتش الشاعرة الفرنسية، وهي من مواليد سنة 1991، تعمل إبنة ال 35 سنة مؤلفة، شاعرة، ومؤدّية على المسرح .
درست الفن الدرامي والكتابة الإبداعية، وبدأت حياتها من المسرح، ولهذا نجد أن أشعارها تنساب على لحن الموسيقى والحركة الدرامية ويُقال عن شعرها ، أنه “مصنوع ليُسمع” وليس فقط ليُقرأ .
اشتهرت ماريون فريتش من خلال حسابها على إنستغرام “كتاب وقصة “، unlivre_unehistoire الذي أنشأته عام بين الأعوام 2020 و 2023، و لديها الآن أكثر من 450 ألف إلى 510 آلاف متابع، و يٍعد الآن من أشهر الحسابات الأدبية في فرنسا.
يصنّف شعر فريتش في خانة الشعر الحرّ ، بدون قافية ولا وزن كلاسيكي، لغتها هي لغة بسيطة جدا وصادقة. تقول ماريون أنّ على الشعر اليوم أن يتحرّر من قواعد المدرسة القديمة مثل الأبيات والرباعيات، و يقترب أكثر من حياة الناس !
هاكم نبذة من أشهر مقاطع شعرها:
الذي يحبك فعلا
يجدك جميلا في كل حين
وسيجد لك دائما الوقت
من حين إلى آخر
كي يوقف الزمن من أجلك …
تعمل ماريون فريتش و تعيش من قلمها ، وتقول أنها تعبت من أن تكون “عبدة للقراء” الذين يريدون منها أشعارا تتناول موضوع الحب فقط ، ولهذا أنشأت حسابا ثانيا شخصيا أكثر لنصوصها المسرحية الطويلة.
تقول عن الخريف في كتاب Les fragments du cœur
“شظايا القلب” :
جاء الخريف
كما جئت أنتَ إلى حياتي
بهدوء، دون إنذار
وغيّرت كل الألوان
و عن عدم النسيان تقول :
نحن فعلا لا ننسى أبدا
نحن فقط نتعلم أن نعيش مع الذكرى
و عن حب الذات تقول في كتابها فصل الصيف :
أخيرا فهمت
أن أجمل حب
هو ذاك الذي أدين به لنفسي
هذا هو جوهر شعرها: كلمات بسيطة جدا، لكنها تدخل أعماق القلب بشكل مباشر وفوري من دون استئذان . لهذا السبب أخذ الفرنسيون يتبادلونها و إرسالها إلى بعضهم البعض بدلا من كتابة رسائل طويلة وهم بذلك يقولون أشياء كثيرة بكلمات قليلة .
لكن من الملفت لديها و ما يهمني شخصيا هو الذي كتبته عن تحديد طبيعة الشاعر في هذه الأسطر القليلة :
إذا أردت أن تعرف
كيف يصبح المرء شاعرا
يجب أن يتحطّم الإنسان قليلا
في طفولته
كما عليه حين البلوغ
أن يفكر أنه أصلح الأعطال.
بالقدر الذي يكفي
كي يعثر على الكلمات
التي لم يعرف أحد
أن يقولها لنا
ويقضي حياته وهو
يقدّمها للآخرين …
هذا هو الترند في الغرب ماذا عن مستوى الشعر وتحديده في بلادنا العربية؟ ما هو الشعر و ما هو مصيره وإلى أين يتجه ؟
ثمة شعراء، لا تتعدى شهرتهم آخر ” زاروب الحيّ ” الذي يسكنون فيه ومع ذلك يصرّ بعضهم على اعتبار أنهم الأساس والمرجع و القدوة وعليهم يتتلمذ كل شعراء الكون ، وفي حال غابوا غاب معهم الشعر و أفل كوكبه وعمّت الظلمة المسكونة ! … لنتذكّر دائما قول سقراط :
” تكلّم حتى أراك ” .
