
د. شذى حريب
أواكبُ احتفالَ معرضِ الشارقة الدوليّ للكتابِ بسلطنةِ عمان ضيفاً للشرفِ هذا العام وأقدّمُ لكم هذه الروايةَ العمانيّة الجميلةَ كجمالِ عمان وأرضِها وأهلِها…
(تغريبة القافر) تغريبةٌ غريبةٌ وروايةٌ عجيبةٌ، نتتبّعُ فيها القافرَ وهو يتتبّعُ أثرَ الماءِ ويبحثُ عن مواطنِه… تبدأُ الروايةُ بامرأةٍ غرقتْ في بئرٍ… حادثةٌ عاديّةٌ كانتْ تحدثُ كثيراً أيّامَ اعتمادِ الناسِ على الآبارِ مصدراً للمياهِ في حياتِهمُ اليوميّةِ، وما زالتْ تحدثُ في بعضِ القرى الريفيّةِ حتّى يومِنا هذا… لكنّ الغريبَ والعجيبَ في تلكَ الحادثةِ هو أنّ الغريقةَ حاملٌ والجنينُ ما زالَ ينبضُ بالحياةِ بعد انتشالِها من البئر… “سادَ الوجومُ وجوهَ الناسِ الحاضرين، ما الذي يتوجّبُ عليهم فعلُه؟.. هل يجوزُ فتحُ بطنِ الميّتةِ واستخراجِ جنينِها، أم يجبُ أن يدفنَ معها؟”
رأى الشيخُ حامد بن علي، “وهو الرجلُ الفقيه الذي يستمعُ إليه كلُّ الناسِ”، أنّه يجبُ أن يدفن معها، لكنّ كثيرين خالفوه هذه المرّة وتعالتِ الأصواتُ بينَ مؤيّدٍ ومعارضٍ، “وفي خضّمِ النزاعِ القائمِ وغفلةِ الناس سحبتْ كاذية بنت غانم سكّيناً من حزامِ أحدِ الحاضرين، ورفعتْ ثوبَ الغريقةِ وشقّتْ بطنَها ثمّ أدخلتْ يدَها لتخرجَ الطفلَ من الرحمِ، وما إنْ قطعتْ حبلَ المشيمةِ ورفعتِ الطفلَ كما تفعلُ أيُّ قابلةٍ متمرّسةٍ حتّى سمع الجميعُ بكاءَه”…
ما الذي دفع كاذية بنت غانم لهذا الفعلِ الجريءِ مخالفةً بذلكَ الشيخ حامد؟.. لا سببَ سوى المحبّةِ والوفاءِ، فلنقرأ ما فعلتْ بعدَ ذلكَ وما جاشَ في صدرها: “أخذتِ الرضيعَ ووضعتْه على فراشها ثمّ خرجتْ إلى الحوشِ… جلسَتْ متّكئةً على جذعِ شجرةِ الزام، وأسندَتْ رأسَها بكفّيها… بدأتْ تستعيدُ ما حدث، ثمّ عادتْ تبكي فقيدتَها وهي تتذكّرُ لحظاتِ المحبّةِ والسعادةِ بينهما… كيفَ للمرأةِ التي تخبّئُ في صدرِها جوهرةً أن تغادرَ الحياةَ فجأةً؟.. كيفَ رحلَتْ دونَ أدنى إيماءةِ وداعٍ؟.. ثمّ كيفَ واتتْها الشجاعةُ كي تخرجَ الحيَّ من الميّتِ؟”
إن كانَ هذا حالُ كاذية التي عرفتْ مريم الغريقة وعاشرتْها فحزنتْ على رحيلها دونَ وداعٍ فما حالُ زوجِها عبد الله بن جميّل؟.. “بقي عبد الله بن جميّل يقلّبُ نظرَه بين وجهِ زوجتِه والماءِ الذي يسيلُ تحتَها واجماً وقد احتلّتِ القتامةُ وجهَه وتجمّدتِ النظرةُ في عينيه… أرادَ أن يبكي ولكنّ جبلاً عظيماً كان يجثمُ على صدرِه ويمنعُه من ذلكَ، حتّى عندما حملَ النعشَ على كتفِه مع الآخرين مشى به كالمسحورِ غائباً عن الميّتةِ التي يحملُ أو المقبرةِ التي تُساقُ إليها… كانَ مع الناسِ جسداً ماثلاً مثل أجسادِهم، أمّا قلبُه وروحُه ففي مكانٍ آخرَ”…
لقد أودى خبرُ غرقِ زوجتِه وحزنُه عليها بعقلِه فلم يعدْ يذكرُ ما حدثَ في ذلكَ اليومِ، حتّى إنّه تعجّبَ عندما ذكرتْ له كاذية ابنه وسألَ: “كيف ولدي؟.. متى ولدتْه؟”.. أخذتْ كاذية تذكّرُه بما حدثَ وهي تبكي حتّى تذكّرَ كلّ شيءٍ، لكنّ حالَه تبدّلَ عندما رأى ابنه… “كانَ الطفلُ غارقاً في نومِه ثمّ تحرّكَ فجأةً وتمطّى في قماطِه قبلَ أن يفتحَ عينيهِ الصغيرتين وينظرَ في وجهِ أبيه، وعندما التقتْ عيونُهما بقي الوالدُ غارقاً في تينكَ العينينِ اللتينِ تشبهان عينَيْ مريم فعلاً… بدا كلُّ شيءٍ ساكناً في تلكَ النظرةِ حتّى فتحَ الطفلُ فمَه كأنّه يبتسمُ له، فشعرَ عبد الله بصخرةِ الحزنِ الثقيلِ تُرفعُ عن قلبِه بهدوءٍ، وشعرَ بجسده يزدادُ خفّةً وبفضاءِ البيتِ يكبرُ”… ثمّ عهدَ بتسميته إلى كاذية فأسمتْه سالماً لأنّه سلمَ من الغرقِ، وقد أنعمَ اللهُ عليهِ بعد أن سلّمه من الغرقِ بآسيا مرضعةً وأمّاً ثانيةً، كيف؟..
“لقد أنجبَتْ آسيا بنتُ محمد خمسَ بناتٍ لم تبقَ منهنّ واحدةٌ، وآخرهنّ طفلةٌ وُلدَتْ مريضةً وأصابتْها الحصبةُ فلم تستطعِ المقاومةَ… طفلةٌ دفنَتْها قبلَ يومين في مقبرةِ الأطفالِ وظلّ صدرُها بسببها ممتلئاً بالحليبِ”…
وهكذا نشأ سالمُ وبدأ يكبرُ برعايةِ آسيا الحانيةِ، “كبرَ بين يديها، وعندما أصابتْه الحصبةُ بحمّى شديدةٍ وهو في الثالثةِ من عمرِه وكادتْ تُهلكُه شعرَتْ بخوفٍ شديد وبأنّ الفقدَ يتربّصُ بها من كلّ ناحيةٍ… لم تكنْ تنامُ مطلقاً، وعندما يشتدُّ قلقُها تُخرجُ قلبَها من مكانه وتعصرُه حتّى تهدأ، وتظلُّ تسحبُ رجليها بتثاقلِ مَن يقودونه إلى المذبحِ، وكأنّ الحمّى التي أصابتْ الطفلَ انتقلتْ إلى جسدِها فصارتْ تهذي لهذيانِه وتتحسّرُ لحسرتِه”…
لاحظتْ آسيا بعد ذلكَ أنّه يفركُ أذنَه دائماً فأشارتْ إليها إحدى النساء بعلاجٍ عشبيّ لكنّه استمرّ في ذلكَ فتوقّفتْ عن استعمالِه خاصّةً أنّه لم يكن يشكو من أيّ ألمٍ… “في بعضِ الأحيانِ كانتْ تأخذُه معها إلى الوادي وعندما تجلسُه قريباً من الماءِ ينكّسُ رأسَه حتّى تلامسَ أذنُه الأرضَ، ويبقى على تلكَ الحالِ دقائقَ عديدةً كأنّه يصيخُ السمعَ إلى حديثٍ يجيءُ من باطنِ الصخرِ”…
أصبحتْ تخشى عليه من كلامِ الناسِ وأعينهم وهي التي فقدتْ بناتِها وزوجَها بسببِهم لذلكَ “كانتْ تكتمُ عن النساءِ كلّ شيءٍ تلاحظُه فيه، فهي لا تأمنُ ألسنتهم وقد يتقوّلْن عليها ما لمْ تقله، لذلكَ كانَ من الأفضلِ أن تبقي كلّ ما تعرفه في طيِّ الكتمانِ… الوحيدةُ التي تفتحُ قلبَها لها هي كاذية بنت غانم، “كاذية التي قالتْ لها: “الناس يأكلوا بعضهم بعض فهذي البلاد، لسانهم ما تشبع، ما يكلّوا ولا يونوا ليل نهار، ما يعجبهم شي، من الخير يصيحوا ومن الشرّ يصيحوا”…
كانت آسيا تؤمنُ بذلكَ أشدّ الإيمانِ لذلكَ فعلتْ ما بوسعِها لتبعدَ أعينَ الناسِ وألسنتهم عن طفلتِها الأخيرة بعد أن فقدتْ أربعةً قبلها… أسمتها اسماً شائناً وحصّنتْها بالأحرازِ وأحرقتِ البخورَ ونذرتِ النذورَ وزارتْ عيونَ الماءِ، “لكنّ الموتَ لا تمنعُه الطلاسمُ عندما يجيء، فلا الاحترازُ والطبُّ يقيان منه، ولا الأسماءُ الشائنةُ تبعدُه عن ضحيّتِه… ولذلكَ بعد أن صارعتْ طفلتُها المرضَ مدّةً أسلمتْ روحَها لبارئها وتركتْ وخزاً عميقاً في صدرِ أمّها”…
غادرتْ آسيا القريةَ وتركتْ سالماً برعايةِ كاذية بنت غانم التي لاحظتْ أيضاً أنّ هناكَ ما يميّزُ هذا الطفلَ عن غيرِه، ففي إحدى جولاتِها معه سقط على الأرضِ، يقولُ الكاتبُ: “يشيرُ إلى الأرضِ حيثُ وقعَ وهو يكرّرُ (ماي.. ماي)… تعتقدُ أنّه عطشٌ فتمتدُّ يدُها إلى الكوبِ تملؤه بالماءِ وتعطيهِ لكي يشربَ، لكنّه يهزُّ رأسَه ثمّ يشيرُ مرّةً أخرى إلى المكانِ ذاتِه ويكرّرُ (ماي.. ماي)…
يفلتُ من قبضتِها ويركضُ مسرعاً ليحنيَ جسدّه ثمّ يلصقُ أذنَه بالأرضِ ويضيّقُ عينيه كمن يحاولُ رؤيةَ شيءٍ ما في العتمةِ، ويصيخُ السمعَ كأنّ أحداً يناديهِ من الأعماقِ”…
ثمّ يتابعُ: “كانتْ تلكَ المرّةَ الأولى التي حدثَ فيها الأمرُ أمامَها، لم يكنْ هناكَ غيرَها ولمْ تحكِ لأحدٍ… كتمتْ ذلكَ السرَّ كي لا يشغلَ أهلَ القريةِ ويصبحَ حكايةً تلوكُها الألسنُ، فهي تدركُ توجّسَ الناسِ منه منذُ ولادتِه عند البئرِ… رأتْ كيفَ تنظرُ بعضُ النساءِ إليه، وكيف يتمتمنَ خلسةً بالتعاويذِ ويبسملنَ ويحوقلنَ ويلعنَّ الشيطانَ كلّما حضرَ معها”…
هي عادةُ أهلِ القريةِ إذن، “إنّ كلّ حكايةٍ تظلُّ صغيرةً ما دامتْ في قلبِ المرءِ، ولكن حالما يكتشفها أهلُ القريةِ تنتشرُ وتكبرُ شيئاً فشيئاً… ذاك ما تعلّمتْه من السنين حتّى باتتْ مقتنعةً بأنّ الناسَ لا همَّ لهم إلّا لوكُ الحكاياتِ الجديدةِ وخلقِ أحداثٍ غرائبيّةٍ لا أصلَ لها”… قناعتُها هذه جعلتْها تنبّهُ عبد الله والد سالم إلى وجوبِ كتمانِ ذلكَ السرِّ عن أهلِ القريةِ “فضحكَ عبدُ الله من كلامِ المرأةِ العجوزِ واعتبرَها تبالغُ في التحفّظِ على أمرٍ بسيطٍ يمارسُه كلّ الأطفالِ بعبثٍ لا يعني شيئاً”… لكنّه بعد ذلك رأى بعينيهِ ما أخبرتْه به كاذية فانتقل خوفها إليه، “كانَ خائفاً من أن يعلمَ الناسُ بحالةِ سالم، ولكنّهم عرفوا وحدثَ ما كانتْ كاذيةُ بنتُ غانم تتحاشى وقوعَه”… لقد رأتْه إحدى نساءِ القريةِ يضع أذنَه على الأرضِ ويصخي السمع ويردّد (ماي… ماي)، “وانتشرَ الخبرُ، انتشرَ كما الحريقِ يبدأُ من شرارةٍ في كومةِ ليفٍ ثمّ تأخذُ نسمةُ هواءٍ خفيفةٌ الشرارَ إلى الأشجارِ والمزروعاتِ الأخرى، وفي لحظةٍ قصيرةٍ من الزمنِ يتوهّجُ المكانُ ولا تبقي النارُ ولا تذرُ… (ولد عبد الله بن جميّل يسمع شيئاً في باطنِ الأرضِ)”…
اتّهمه بعضُ أهلِ القريةِ بالسحرِ، وآخرونَ جعلوا بينه وبينَ العالمِ السفليّ علاقةً، “ثمّ كبرتِ الحكايةُ وتحوّرتْ وتغيّرتْ وصارَ بينها وبين الأصلِ سيوحٌ وجبالٌ ووديان”… ألم يقلْ ميخائيل نعيمة:
“وكيف لمن يبصرُ ما لا يبصرُه الناسُ ويسمعُ ما لا يسمعونه إلّا أن يكونَ مجنوناً في عرفِ الناسِ؟”
وهكذا بقي سالم وحيداً بعد أن ابتعدَ الجميعُ عنه، “لم يستطعْ سالم بن عبد الله اللعبَ مع الأطفالِ مثلما كان يفعل سابقاً… صارَ الكلُّ يتحاشاه وهو لا يدركُ لصنيعهم سبباً، لم يعرفْ أنّ الأمّهاتِ قد حذّرْن أولادَهنّ كي لا يقتربوا منه، وأمرْنَهم أن يمتنعوا عن اللعبِ معه”… ساءه ذلكَ كثيراً لكنّه اعتادَ بعدَ ذلكَ اللعبَ بمفرده والاستماعَ للأصواتِ المتداخلة العميقةِ، “بل إنّه صارَ مع الوقتِ يشعرُ يقيمةِ ما يحدثُ معه ويستمتعُ به، وقد فهم أنّ معاملةَ الناسِ له بكراهيّةٍ وإجحافٍ ليست سوى إقرارٍ بتميّزه في معرفةِ الأصواتِ من حولِه، إذ كان يسمعُ حتّى دبيب النملِ وهو يتسلّقُ جذوعَ الأشجارِ”…
مرّ العامُ تلوَ العامِ حتّى “مرّتْ خمسةَ عشرَ عاماً على وفاةِ مريم بنت حمد ود غانم غريقةً في البئرِ، واستمرّتْ آثارُ ما حدثَ بعدَ ذلكَ من سيولٍ وخصبٍ سنواتٍ لم يشعرِ الناسُ خلالها مرّةً بانقطاعِ السحابِ، بل ما عادوا يحفلون بأن تكونَ السماءُ غائمةً أو صحواً، إنّما ظلّوا يسقون ضواحي النخلِ والبساتين ويوردون مواشيهم المياهَ الوفيرةَ التي انبثقتْ من الأرضِ وشقوقِ الجبالِ، فنشطَ الفلجُ وسالتِ الغدرانُ واكتستِ الجبالُ خضرةً كثيفةً”…
لكنّ دوامَ الحالِ من المحالِ إذ “جاءَ الصيفُ بقسوةٍ لم يعهدْها أحدٌ، الصيفُ اللهّابُ الحارقُ، والرياحُ الغربيّةُ التي تشعلُ النارَ في المواقدِ من سخونتِها… جاءَ الصيفُ وذهبَتْ مياهُ الينابيعِ والوديان، تبخّرتْ ولم يبقَ منها إلّا آثارَها في الصخرِ وفي مجاريها دلالةً على ذلكَ الخصبِ الطويلِ الذي عاشوه غافلين، عندئذٍ شعرَ الناسُ بالعطشِ، جفّتْ حلوقهم قبلَ أن يروه حقيقةً، فصاروا يشربون بلا انقطاعٍ”… ثمّ “امتدّ المَحْلُ إلى كلِّ البقاعِ، لم يُبقِ بلاداً ولا قريةً قريبةً أو بعيدةً على حالِها، استمرّ يمارسُ قسوتَه على الكائناتِ، وبدأتِ الحياةُ تنحسرُ وتتلاشى شيئاً فشيئاً”…
لم تبقَ إلّا (عينُ الوعري) جاريةً لم تنقطعْ رغم الجفافِ والمحل، تلكَ العينُ التي أشارَ عليه سالم يومأً بحفرِها في الجبلِ الأصمِّ، وعندما حفرَ هنالك تصدّعَ الجبلُ وسالتِ المياهُ وملأتِ الحوضَ… أرسلَ أهلُ القريةِ عبد الله بن جميّلِ لطلب الماءِ من الوعريّ، فاتّفقَ مع الشيخِ على قسمةِ الماءِ وتوزيعِ أوقاتِ السقايةِ بينَ أهلِ القريةِ…
حاولَ أهلُ القريةِ إعادة حفر الفلجِ لكنّ جهودهم ذهبتْ هباءً ولم يجدوا نقطةَ ماءٍ… كانَ سالم يعرفُ مكانَ الماءِ لكنّه خشيَ أن يقولَ لهم لئلّا يسخروا منه يقول: “لكن من هو حتّى يقتنعَ الناسُ بكلامِه، هل يتركُ الجميعُ كلامَ مشايخِهم وأعيانِهم وشيّابهم وينصتون إليه؟.. إنّه مجرّد طفلٍ يتيمٍ فقيرٍ مع أبٍ ضعيفٍ لا ضاحيةَ ولا نخلةَ لديهِ في هذه البلاد، فقد تقاسموا إرثَ جدّه ونهبوه نخلةً نخلةً، فذهبتْ كلّ أمواله في بطونهم”…
رغمَ ذلكَ “أنصتَ سالم بن عبد الله إلى الماءِ وهو يناديه من بين جدرانِ الصخرِ والحصى، أنصتَ إليه فسمعه كأنّه يدعوه متوسّلاً تحريره من سجنِ الأرضِ، وهناكَ عند تلكَ التقطةِ التي تجاوزها الحفّأرون أمسكَ بمطرقتِه وبدأ يحفرُ في اتّجاهٍ مغايرٍ”… سخرَ أهلُ القريةِ منه لكنّه لم يعبأ بهم، حتّى والده تركه في البدايةِ لكنّه عندما رأى إصراره تركَ أهل القريةِ وأخذَ يساعده… حفرا معاً حتّى “بدأ الثرى يظهرُ على جنباتِ القناةِ، رملاً مبلولاً وحجارةً مشبعةً بالرطوبةِ تكادُ تتهشّمُ كلّما قبضَ عليها بيده… لم يخبرْ أحداً بذلك، لكنّ أحدهم اقتربَ منهما في فترةِ استراحته ليسخرَ كالعادة فرأى الثرى الذي طالَ ترقّبه على أرضِ الفلجِ، وأمسكَ بقطعِ الصخرِ المتجمّعةِ خلفَ سالم بن عبد الله وأبيه فشعرَ برطوبةِ الماء، حينئذٍ صرخَ بأعلى صوته: – الماي قرّب… الماي قرّب”…
إذن صدقَ سالم “وسرعانَ ما تحلّقَ الجميعُ حولَه لا يدرونَ ما يقولون، واجمين مخذولين بعد أن رأوا بعيونهم صدقَ كلامِه، فكيفَ يحدثُ ذلك؟.. كيف استطاعَ هذا الولدُ الضعيفُ معرفةَ مكانِ الماءِ ورجالُ الخبرةِ الذين خبروا الأفلاجَ حادوا عنه؟”
بعدَ الكثيرِ من الحفرِ والجهدِ والتغلّبِ على صعوباتٍ لم تكنْ في الحسبانِ “خرجَ الماءُ متدفّقاً يملأُ سواقي الفلج، فسرى في ضواحي القريةِ حتّآ بلغَ آخرَها، وفاضَ عن الحاجةِ فتركوا بعضَه يسيلُ في الوادي، وبذلكَ بدأتِ البركُ بالامتلاءِ وعادتِ الحياةُ إلى القرية”…
بعدَ هذه الحادثةِ “كفّ الناسُ عن أذيّةِ سالم بن عبد الله وتذكيرِه في كلّ يومٍ بأنّه ابنُ الغريقةِ، صاروا ينادونه (القافر) فاستساغَ اللقبَ الجديدَ وأعجبَه، وأبقى ما فعلوه في دواخلِ نفسِه وأعماقِها… لكنّها القرى، لا يستجدُّ فيها جديدٌ، فالناسُ فيها كما عهدهم وكما تحدّثَ عنهم والدَه عبد الله بن جميل وأمُّه التي ربّتْه كاذية بنت غانم يصومون عن الأكلِ والشربِ، وقد يصبرونَ على الجوعِ والعطشِ ولكنّهم لا يصبرون على الكلامِ”…
كانَ ذلكَ الكلامُ هو جوهرُ الروايةِ وما يمكنُ أن نستخلصَه منها، ورغم أنّ زمن أحداثِ الرواية غيرُ مذكورٍ فيها فقد كانَ واضحاً أنّها حدثتْ في زمنٍ مضى ليس بالبعيدِ الموغلِ في القدم، ولا بالحديثِ المعاصر، لكنّ طباعَ الناسِ لم تختلف… ما زالَ هناكَ جهلٌ يحيلُ كلّ ما لا يمكنُ تفسيرُه إلى القوى الخفيةِ والعالمِ السفليّ… ما زالَ هناكَ حقدٌ وحسدٌ وغيبةٌ ونميمةٌ… ما زالَ هناكَ باطلٌ وظلمٌ وتعدٍّ على الحقوقِ واغتصابٍ لها… لكن ما يثلجُ الصدرَ أنّه ما زالَ هناك حبٌّ كحبِّ سالم ونصرا… قصّةُ حبٍّ كانتْ مثلَ مسيلِ ماءٍ صغيرٍ أو غديرٍ عذبٍ رقراقٍ ينسلُّ بين كلّ تلكَ القصص الغريبةِ والموحشةِ…
ها هو الكاتبُ يقولُ عن ذلكَ الحبِّ: “كما ينفجرُ الماءُ من قلبِ الحجرِ، ويسري الينبوعُ منحدراً برقّته على الأرضِ العطشى، وكما كانَ القافرُ يطربُ لخريرِ الماءِ في الأعماقِ، ناداهُ الحبُّ… رآهُ في ابتسامتِها عندما كانتْ تقفُ أمامَ دارِه، في نظراتِها الحالمةِ وهي تحنو على الكدماتِ التي خلّفتْها ضرباتُ المعلّمِ فترفعُ عنها الألمَ… ناداهُ الحبُّ ليذهبَ إليها دون أن يدركَ أنّها هناكَ تنتظرُه في البلادِ البعيدةِ”…
لكنّها غادرتْ مع أمّها وتركتْه لتشاءَ الأقدارُ أن يلتقيها بعد سنواتٍ حيث “وصلَ مساءً إلى قريةِ المسيلةِ، كانَ مرهقاً من السفرِ والمشي الطويلِ فوجدها في انتظارِه، رفعَ بصرَه يرقبُ سككَ الحاراتِ والمباني فأطلّتْ عليه بابتسامتها، ذات الينبوعِ العذبِ الذي شربَ منه من قبلُ، أذهبتْ تعبَه وظمأه، لكنّه شعرَ بظمأ أشدَّ من ظمأ الماءِ… وقفَتْ أمامَ بابِ البيتِ فتاةٌ في الخامسةِ عشرة من عمرِها، أسندَتْ كتفها إلى الجدارِ وانثنى جسدُها… كانتْ تنظرُ إليهِ وتبتسمُ، وكانتِ ابتسامتُها تشرقُ من وجهها كلّه لا من مكانٍ واحدٍ فقط”…
وهكذا أيضاً أشرقتِ القيمُ الجميلةُ في الروايةِ رغمَ ظلامِ الظلمِ والجهلِ والحسدِ والحقدِ، فبعدَ الحبِّ طالعنا الوفاءَ، وفاءَ نصرا لسالم بعدَ سفره وانقطاعِ أخبارِه… “وتتلوّنُ الجبالُ بألوانِ الزهورِ المختلفةِ فتزهرُ الحياةُ في روحِها عندما تتخيّلُ وهي تراقبُ قطيعَها من شرفاتِ القممِ أنّها ترى زوجَها عائداً… والزهورُ مثلما تتفتّحُ تذبلُ وتتساقطُ عندما تشتدُّ حرارةُ المكانِ ويسري اليباسُ فيها، أمّا قلبُها هي فيحملُ زهرةَ حياتِها التي لا تذبلُ ولا تتعبُ من الانتظارِ والترقّبِ”…
أمّا إيمانُ سالم بمقدراتِه وصبرُه على إيذاءِ أهلِ القريةِ له وعلى كلّ ما واجهه من صعوباتٍ لتحقيقِ حلمِه واستخراجِ الماءِ من حبسِه فهو أيضاً من القيمِ الجميلةِ التي تسعدُ من يقرأ هذه الروياةَ وتبثُ الأملَ في نفسِه… يقولُ: “والقافرُ يدركُ أنّه تحتَ عيونِ الناسِ…. لكنّه يدركُ أيضاً أنّ كلّ حكايةٍ في القريةِ مهما كبرَتْ ستخبو ذاتَ يومٍ، وأنّ حكاياتٍ أخرى ستأتي فتُنسي الناسَ وتشغلُهم عن حكايتِه، ولذلك قالَ لها وهو يمسحُ دموعَها بيدِه الضخمةِ: (إنّ اللهَ مع الصابرين)”…
أعتقد أنّ أجملَ ما في الرواية أنّها ابنةُ بيئتها، فأفكارُها وتعابيرُها وكلّ ما فيها ينضحُ بالبيئةِ التي جرتْ فيها أحداثُها… ما مرّ فيها من وصفٍ لمشاعرَ وأحاسيسَ أو لأشخاصٍ وأشياء إلّا كان مستوحىً من هذه البيئة، وكأنّ كاتبِها لم يخرج أبداً من ذلكَ المكانِ وذلكَ الزمانِ… أجدُ أنّه من الصعبِ على الإنسانِ أن يلغي كلّ ما يعرفُه وأن يندمجَ كليّاً بالروايةِ التي يكتبُها، فهذا يحتاجُ إلى مهارةٍ عاليةٍ وخبرةٍ كبيرةٍ، وهذا ما فعله الأستاذ زهران في الروايةِ، فقد كانتْ كلّ تشبيهاتِه من وحي بيئة القريةِ ونباتِها وشجرِها ومائها وهوائها، فها هو مثلاً يقولُ عن الوساوسِ “وقد نبتَتْ في قلبِه الوساوسُ كما تنبتُ على طرفِ الوادي شجيراتُ الظفرةِ بعد مطرٍ غزيرٍ”…
تغريبةُ القافرِ روايةٌ أسرتني رغمَ غرابةِ موضوعِها واختلافِ بيئتها القرويّةِ وبعدها عن البيئةِ التي نعيشُ فيها، ورغمَ حواراتها التي وردتْ باللغةِ المحكيّةِ لكنّها كانتْ بسيطةً سلسةً لم تقطعِ انسيابيّةَ السردِ ولم تدخلني في متاهاتِ البحثِ عن معانيها… روايةٌ ندمتُ على تأجيلِ قراءتِها منذ أن فازتْ بجائزة البوكر عام 2023…
