ليس الحديث عن « أوراق الورد » و « السحاب الأحمر » ، للكاتب العربي مصطفى صادق الرافعي ، حديثًا عن كتابين يُطالعهما القارئ فيفرغ منهما ، بل هو وقوفٌ على شاطئ نفسٍ إنسانيةٍ حين تكون في أصفى حالاتها ، ثم حين تعصف بها رياح الشعور فلا تُبقي فيها موضعًا للسكون ، وهنا تتجلّى عبقرية مصطفى صادق الرافعي ؛ إذ لم يكن يكتب الحب على أنه موضوع ، إنما على أنه حالة وجود ، تتبدّل ألوانها كما يتبدّل الضوء على صفحة الماء ، فتارةً تراه صفاءً ، وتارةً تراه اضطرابًا ، وفي الحالين هو هو ، ولكنك لا تراه بعينٍ واحدة .
في « أوراق الورد » يدخل الرافعي إلى الحب من باب السكينة؛ كأن القلب قد هدأ على معنى، واستراح إلى شعور ، فصار يُناجيه لا يُصارعه وينازعه ، اللغة هنا تُشبه نسيم الفجر ، رخية مترفة ، تتهادى في العبارات كما تتهادى الأنفاس في صدرٍ مطمئن ، ليست الجملة عنده مجرّد تركيبٍ لغوي، لكنها نَفَسٌ طويل يُخرجه القلب على مهل ، فلا انقطاع فيه ولا اضطراب ، اقرأ هذا النموذج الذي يُحاكي روح الرافعي:
« أكتب إليكِ وكأن بيني وبينكِ صمتًا ناطقًا، يُغنيني عن كل لفظٍ ثقيل؛ إنني لا أُحبكِ كما يُحب الناس، ولكنني أراكِ في كل شيءٍ جميل، فإذا نظرتُ إلى الدنيا رأيتُها بكِ أصفى، وإذا نظرتُ إلى نفسي وجدتها بكِ أهدأ، حتى حزني منكِ، أُحسّه كأنه لطفٌ خفيّ، لأنكِ أنتِ من أهداه إليّ ».
في هذا اللون من الكتابة لا يكون الحب اندفاعًا ، إنَّه انكشافًا هادئًا ؛ ولا يكون الألم خصمًا مشاكسا ، لكنه معنىً يُفهم ويُهذّب ، إن الرافعي في هذا الموضع يُمسك بشعوره كما يُمسك العارف بسرٍّ يخشى عليه من الضياع ، فيُحسن عرضه ، ويُجيد ستر حدّته واندفاعه ، حتى يبدو للقارئ وكأن القلب لا يعرف إلا الصفاء والنقاء .
فإذا ما انتقلنا إلى « السحاب الأحمر » نجد أن هذا الصفاء لا يدوم ، ووجدنا أنفسنا بإزاء قلبٍ آخر ، أو قل بإزاء القلب نفسه حين تغيّرت عليه الفصول ، هنا لا يكتب الرافعي الحب وهو يتأمله ، فهو يكتبه وهو يُقاسيه ؛ وكأن الشعور قد سبق العبارة ، فصارت الكلمات تتعثر في أثره ، لا تقوده لكن تُلاحقه ، النبرة ترتفع ، والإيقاع يتسارع ، والجملة تقصر أو تتقطع ، كأنها أنفاسٌ متلاحقة في صدرٍ ضاق بما يحمل ؛ تأمل هذا النموذج الذي يعكس أنفاس الرافعي :
« ما لي كلما دنوتُ منكِ ازددتُ بعدًا ؟ ، أفي القلبِ طريقانِ لا يلتقيان؟ ، إنني أُحاول أن أُحبكِ كما كنتُ ، فلا أستطيع ، وأُحاول أن أنساكِ فلا أقدر ، لقد صار حبكِ عندي لغزًا أعيشه ، لا جوابًا أطمئن إليه ، أأهرب منكِ أم أهرب إليكِ؟ ، وكيف يكون الهرب في الاتجاهين معًا؟ » .
هنا ينقلب الحب من سكينةٍ إلى سؤال ، ومن معنىً مُطمئن إلى قلقٍ مُقيم ، لم يعد الألم زينة الشعور وغلافه ، لكنه صار جوهره وقلبه ، ولم يعد الرافعي قادراً على تهذيبه كما كان ، ففد أصبح أسيراً له ، يُمليه عليه إملاءً ، إننا بإزاء أسلوبٍ يتقدّم فيه الصدق على الصياغة ، والانفعال على الترتيب والرتابة ، حتى لتشعر أن العبارة تخرج ساخنة كما خرجت من القلب .
الفارق بين الكتابين ، في الجوهر ، هو الفارق بين من يملك شعوره ومن يمتلكه شعوره ؛ ففي « أوراق الورد » ترى الرافعي وقد أقام بينه وبين عاطفته مسافةً من التأمل ، فصاغها فنًا ، وزيّنها لغةً ، وجعل منها جمالًا يُقرأ ، أما في « السحاب الأحمر » فقد انهارت تلك المسافة ، فاندفع الشعور في العبارة اندفاع السيل ، لا يسأل عن نظامٍ ولا يلتفت إلى ترتيب ، وإنما يريد أن يُقال لأنه لا يُحتمل .
لعل أصدق صورة تجمعهما أن نقول : إن الرافعي في « أوراق الورد » كان ينظر إلى الحب بعينٍ تحلم ، فيُحسنه لأنه جميل ، ثم نظر إليه في « السحاب الأحمر » بقلبٍ يحترق ، فكتبه لأنه موجع ؛ وبين الحلم والاحتراق تتكوّن تلك المسافة التي لا تُقاس بالكلمات ، بل تُقاس بعمق التجربة الإنسانية حين تمرّ من الصفاء إلى العاصفة او الهيجان .
يقف القارئ هنا لا ليحكم أيّهما أجمل ، إنما ليدرك أن الأدب الحق ليس في اختيار الحالة ، بل في صدق التعبير عنها ؛ فكم من كاتبٍ كتب الحب وهو لا يشعر به ، فجاءت كلماته باردة ، وكم من أديبٍ ، كـ مصطفى صادق الرافعي ، كتب شعوره كما عاشه ، فصار الألم عنده فنًا ، والاضطراب بيانًا ، والحنين لغةً قائمة بذاتها .
لعل أعظم ما يُقدمه هذان الكتابان للقارئ ، أنهما لا يعلّمانه كيف يُحب ، لكن كيف يكتب ما يُحب ؛ كيف يُصغي إلى صوته الداخلي حين يهمس ، وحين يصرخ ، ثم يُحسن نقله من عالم الشعور إلى عالم البيان ، فالأدب ليس أن تقول ما يُقال ، الادب أن تُخرج من قلبك ما لا يُقال إلا بك ؛ فإذا استطعت أن تجعل من وجعك عبارة ، ومن صمتك لغة ، فقد بدأت طريق الإبداع ، حيث لا يكون الكلام وصفًا للحياة، إنما يكون حياةً أخرى تُولد من الكلمات .

( عماد عواودة ، ابو حازم
الخميس ٠٩ نيسان ٢٠٢٦ ، قميم / الأردن )