
بريد السماء الافتراضي حوارات يكتبها أسعد الجبوري
الولادة: 8 أغسطس 1884سانت لويس بولاية ميسوري
الوفاة : 29 يناير 1933
قبل أن تنشر كتابها الشعري الأول،كانت تحب التأمل بتلك الرسوم التي خطتها بأقلام الرصاص.فالشاعرة الأمريكية سارة تيزديل تدرك إن امعان النظر بالأشياء يؤلف في الأعين مخلوقات ومشاعر وصور لا حدود لها.
حين وصلنا إلى بحيرة((النعاس)) في الجانب المظلم من كوكب الجبال الصامتة،سرعان ما وجدنا أمامنا ((الدوستو)) ذلك الحيوان الشبيه بالأسد وهو يقودنا إلى مكان وجود الشاعرة سارة تحت أعمدة المظلة وهي تحتسي الشامبانيا مع بعض الطيور التي لم نعرفها على الأرض.
بعد المصافحات والحكي عن أحواض السباحة في الفردوس وتبادل الأنخاب فتحنا الطريق إلى هذا الحوار .قلنا للشاعرة سارة تيزديل مستفسرين:
س:كم مرآة في بيتك ؟
ج-ثلاث .واحدة في غرفة النوم ،واثنتان للشعر على سطح البيت.
س:ومن منكما كان ينظرُ بمرآته أكثر. أنتِ أم الشعرُ؟
ج- الشعرُ أكثر. فعادةً ما كنتُ أهرعُ إلى السطح للتلصُّص على قصائدي وما تفعل الأبالسةُ بقعر المرآتين. آنذاك رأيتُ الشعرَ وهو يضع مرآةً أمامه وأخرى خلف ظهره ليقوم بقطف التصاوير للقصائد من خلال عملية امتصاصها عبر الزجاج بعد مغيب الشمس ..
س:وماذا عن مرآتك في غرفة النوم؟
ج- كنت أتركها للنوم وحده، حتى بتُ أسمع شخيراً خفيفاً كان يأتيني من هناك.
س:ولم تفزعي من حدوث ذلك؟
ج-بعض الشيء.ولكنني سرعان ما أتلافاه بشراب بعض بعض من كؤوس البوربون.فذلك خمرٌ تُحبه الأشباح جيداً.
س:هل تعتقدين بأن الكحول صيّادٌ ماهرٌ للبراغيث والأشباح الهائجة تحت القحف .أقصدُ قحف رأس الشاعر أو الشاعرة؟
ج-لا أظن بأن الكحولَ صيّادٌ شاطرٌ للكائنات التي تحتلُ أجسادنا وحسب،بل هو المادة المقدّسة التي تطهرنا من الخطيئة والآثام وجرائم اللغات.
س:جرائم اللغات!!
هل هي نظرية جديدة في الشعر .أم لديك تفسير لها ؟
ج- كنت أحسُّ في أثناء كتابة القصائد بأن آلات حادّة ،تارةً تخرج علىّ من الورق ،ومرات أخرى من بين الأحرف المعدنية للآلة الكاتبة،تلك الحالةُ تأتيني فيما لو امتنعتُ عن حذف هذه المفردة أو تلك ورفضت الاستغناء عن وجودها في جملة شعرية ما.
س:هل كانت تلك الكتابات تتعلّق بالسياسية مثلاً؟
ج-لا أبداً .كل ما كان يتعلق بقصائدي آنذاك،إنها كانت ثريةُ بتصاوير الجماليات الشفافة وبالكلمات المراهقة.
س:ما نوع تلك الأسلحة يا سارة؟
ج-مسدسات وسيوف ساموراي .وأحياناً رؤوس ثعابين وشفرات حلاقة .
س:وهل كنت تستجيبين لتلك التهديدات ؟
ج-بالتأكيد نعم. وطالما خرجتُ من غرفة نومي هلعاً وأنا عارية تماماً .
س:هل شعرت مرّةً بأن بعض المفردات اللغوية حاولت ممارسة الجنس معك ،أو كانت تضغط بذلك الاتجاه ؟
ج- نعم.ثمة كلمات ذكورية تستهويني بقوة.كنت أكتب تلك المفردة على مجموعة من الأحجار البحرية ،ثم اسخنها وأضعها بحضني تعويضاً عن غياب زوجي ((إرنست فيلسينجر)) في رحلاته السندبادية الكثيرة.
س:كيف يمكن أن تتحكم اللغةُ بالهوس الجنسي واندفاعاته عند الرجال في مدينة نيويورك التي صقلت تجربتك الشعرية على سبيل المثال ؟
ج- أنا كتبت سبع مجموعات شعرية ،ولم أفكر بوضع حزام العفة لقصيدة واحدة من قصائدي في مدينة هائلة مثل نيويورك التي تعرفت فيها على النخب الأدبية والشعرية.إما فيما يحصّ الهوّس الجنسي فهو نحن هذه الغابة التي نتكاثر تحت أشجارها شهوانياً حتى الإنطفاء.
س:هل ضدّ ذلك حاول بعض النقاد تهميشك في نهر الشعر الأمريكي؟
ج-البعض فعل ذلك بدافع بيولوجي معادٍ للتجارب التي تولد خارج أقفاصه.
س:هل تحرّر الشعراء من قبضات النقاد الذئاب ،يجعلهم نجوماً لا تُسقطهم حتى جاذبية الأرض؟
ج-بالتأكيد. فلا نفع للجاذبية أو للجاذبيات في الشعر، إلا للمغرمات والمغرمين بكأس الوجود .
س:حتى لو كان شبيه كأس سقراط؟
ج- قد لا يفعل ذلك شاعرٌ أو شاعرةٌ .فالسَمّ السقراطي من اختصاص الفلاسفة وحدهم وفقط.
س:وماذا كان اختصاصك أنت يا سارة تيزديل ؟
ج-اختصاص الضفدعة بالنقيق الذي كنتُ أقوم بتدويره لصنع أصوات جديدة للشعر والرغبة.
س:بماذا كانت قصائدك ترغب يا سارة؟
ج- كانت قصائدي ترغب بالتحوّل إلى نحل. فيما أنا، فكنت أحلمُ بركوب قصائدي والطّوَاف حول العالم.
س:هل للشعر علاقة بالجغرافيات ؟
ج-بالتأكيد نعم. فعادة ما يكون الشعر ترابياً مع الماء والهواء والنار.ومثلما توجد في الشعر مدنٌ كثيرة،توجد في العالم مدن وقرى برائحة الشعر .
س:ما الذي يفعله العقلُ بالشعر؟
ج- يُدثرهُ بالهدوء ويزودهُ بالحشمة وينهكه بالتربية الصالحة.
س:وما الذي يضيفه القلبُ للشعر؟
ج-يضيف لجسد الشاعر أو الشاعرة عضواً جديداً يُسمى (المُنسِّق) الذي يتولى عمليّات التنظيم والتَّغيير في حركات اللغة ما بين أعضاء الجسم وما بين أعضاء الطبيعة كمُشْرِف على الاندماج والمحاكاة ما بين الطرفين.
س:ألا يتدخل ذلك (المُنسِّق) في شؤون الحبّ؟
ج- بالتأكيد.فهو من يكافحُ ظلام القلوب بجعلها أقرب إلى صور الإلهيين المغرمين بسحر النسوة أولاً .وبالاندماج بهنّ ثانياً من أجل الخلّق الشعري الفني الأسطوري والسحري.
س:هل أثمر زواجك من (إرنست فيلسينجر) عام 1914 كتبك الشعرية الثلاث: “اللهب والظل” (1920)، و “ظلام القمر” (1926)، و “نجوم الليل” (1930) على الصعيد الشعري؟
ج-لا.لم يظهر شيء من لحم زوجي لهباً في تلك المجموعات التي ذكرتها .فالزواج كان من أعمال المشي على الحبال في سيرك،ثم انتهى بالطلاق عام 1929 لتبدأ مرحلة البحث عن أفضل طرق الانتحار.
س:كيف عشت الحبّ يا سارة؟
ج-عشتهُ بالانتقال السريع من مرحلة الإدمان المبكر بفكرة الجنس المحرم دينياً إلى مرحلة إدمان الحبّ ورقياً.
س:وما الفرق ما بين الاثنين يا سارة؟
ج- كالفرق ما بين أن تسبح المرأةُ بالحبر وما بين السباحة بالحليب.
س:كأن تقصير زوجكِ إرنست فيلسينجر جعل سباحتك بالحبر أكثر وربما أعمق . فيما حلمك العاطفي ذهب مع حبك الأول (فاشيل ليندساي) سدى. أليس كذلك يا سارة؟
ج-انتحار فاشيل ليندساي في 5 ديسمبر 1931 بشرب زجاجة من الغسول ،كان أولى الضربات التي حطمت باب قلبي ،وتركت دمي يسيل خارج جسدي وكأنه دخان. غادرني فاشيل في البدء فقيراً .وانتقم لحبه الضائع منتحراً.
س:هل حاولتِ تقليده فانتحرتِ بجرعة زائدة من الحبوب المنومة؟
.ج-أجل.لقد هاجرتُ إليه نائمة.
س:هل ثمة هجرات في مرحلة ما بعد الموت؟
ج- نعم. وهنّ ثلاث هجرات: أولاهنّ الهجرة من القبر إلى كوكب النوم .والهجرة الثانية من الفردوس إلى شارع محمد علي في القاهرة.فيما الهجرة الثالثة فتتمُ إلى دار الآخرة للطباعة والنشر وتصحيح الكتب المقدّسة.
س:أنتِ سبق لك وأن كتب عن مكان إقامتك الأولى في سانت لويس بولاية ميسوري ،بأنك كنت تعيشين في جناح خاص بك في الطابق الثاني ،وان لضيوفك مدخل خاص.ما صحة ذلك؟
ج-ذلك صحيحٌ .فعندما يغادر الضيوف أتناول العشاء وحيدة قبل الانخراط بمعارك النعاس واللا نوم.
س:هل أصبحت بعد الموت تنامين بسلام دون عراقيل أو معوقات؟
ج-ذلك لا يتم إلا بمأذونيات من آلهة النعاس واليقظة والنوم .هكذا عرفتُ.وهكذا هربت من مقبرة (بلفونتين) بعد يومين من دفني هناك في سانت لويس ولاية ميسوري في 29 يناير 1933.
س:هل كتبت وصية قبل انتحارك؟
ج-كتبتُ تلك الوصية قبل 18 سنة من وفاتي. نعم فقصيدة (لن أهتم) كانت تحمل بصمة تلك الوصية لذلك الحبيب فاشيل ليندسي الذي أحبني في عام 1913 وهجرني في الغابة الكئيبة وحيدة.
س:هل كانت تلك القصيدة دافعاً وراء حصولك على جائزة بوليتزر للشعر في عام 1918؟
ج-لا ليس تلك القصيدة كانت وراء نيل الجائزة، بل كتابي ((أغنية حبّ)) بالضبط.
س:وبقية السوناتات لمنْ؟
ج-للمخلوقات التي تحاول إخماد الاضطرابات في الرؤوس.وكذلك لأبطال الاحتكاك وأبالسة الاندماج بالأجساد التي تتنبأ لُحومها بقدوم الحرائق بتلك النار التي تخرج من الصدور.
