
قصة بقلم: عبد اللطيف مبارك… مصر
كان مراد يؤمن إيمانًا راسخًا بأن الاستقرار جدار سميك، يبنيه الرجل بعرق جبينه ليحمي عائلته من عواصف الحياة. مهندس في الثلاثين من عمره، ذو ملامح هادئة وعينين متعبتين من طول الساعات التي يقضيها في التحديق بالشاشات والمخططات، كان وجهه يشع دفئًا كلما عاد إلى بيته. زوجته ندى وطفلاه، آدم (6 سنوات) وليا (4 سنوات)، كانوا ملاذه الناعم في هذا العالم القاسي.
في تلك الأمسية الخريفية، كان المطر ينقر بخفة على زجاج النوافذ. عاد مراد إلى المنزل في وقت أبكر من المعتاد، حاملًا معه علبة من الحلوى المفضلة لدى ندى. كان البيت هادئًا على نحو غريب، الإضاءة خافتة، وصوت التلفاز في غرفة المعيشة خُفض ليصبح أقرب إلى الهمس. وظنًا منه أنهم نائمون، خلع حذاءه ببطء كي لا يصدر أي صوت، وسار بخطوات وئيدة نحو غرفة نومهم.
قبل أن يفتح الباب، لفت انتباهه شاشة هاتف ندى التي كانت تضيء طاولة الممر. كان الهاتف يهتز في صمت. لم يكن مراد يومًا من ذلك النوع من الرجال الذين يتجسسون؛ فالمرأة والثقة بالنسبة إليه كانتا مبدأً مطلقًا. ومع ذلك، استمر اسم غريب في الظهور على الشاشة: “طارق”. لم يكن اسم صديقة، ولا قريب.
التقط الهاتف بدافع فضول عابر، لكن شريط الإشعارات كان مفتوحًا على محادثة “واتساب”. تجمد الدم في عروقه وهو يقرأ السطور الأولى. لم تكن كلمات عادية؛ بل كانت سيلًا من الغزل، والوعود، والحديث عن “خلاص قريب”. والأسوأ من ذلك، كانت هناك صور وتفاصيل من حياتهم الخاصة، معروضة على أرصفة الخيانة بلا ثمن. سقطت علبة الحلوى من يده، وارتطم غطاؤها بالأرض محدثًا صوتًا دوى كطلقة رصاص في فراغ الصمت.
خرجت ندى من الغرفة مذعورة. رأت الهاتف بين يديه، وعينيه اللتين تحولتا إلى جمرتين من الذهول والألم. لم تبكِ، ولم تنكر، ولم تجثُ على ركبتيها تطلب الغفران كما يحدث في الأفلام. بل على العكس، ارتدت قناعًا من البرود التام.
وقالت بصوت جاف: “كنت سأخبرك بذلك قريبًا على أية حال. الأمر بيننا انتهى منذ زمن. أنت لم تكن موجودًا أبدًا، كنت دائمًا غارقًا في مشاريعك وعملك”.
شعر مراد وكأن نصلًا طعن قلبه ويُدار فيه ببطء. “أنا؟ ولأجل من كنت أعمل؟ لأجلكِ ولأجل الأطفال!” صرخ بصوت مخنوق، محاولًا ألا يوقظ الصغار. لكن المواجهة كانت قد حُسمت بالفعل؛ فعندما تُكتشف الخيانة بلا ندم، تتحول إلى سلاح ذي حدين يقتل الماضي ويعدم المستقبل.
في الأيام التالية، تحولت الحياة إلى جحيم بيروقراطي. طلبت ندى الطلاق، وبمساعدة محامٍ يتغذى على جثث العلاقات الفاشلة، تحول مراد من زوج محب وأب مثالي إلى “رجل غائب، مهمل، وغير مؤهل لتربية الأطفال”.
في ردهات المحكمة الباردة، التي تفوح منها رائحة الورق القديم والحبر الجاف، وقف مراد مذهولًا. كان القانون ينظر إلى الأوراق، لا إلى القلوب المنكسرة. وغالبًا ما كانت الخيانة الزوجية تتحول إلى تفصيل ثانوي أمام حق الحضانة التلقائي للأم. وجد مراد نفسه محرومًا من كل شيء: من كرامته، ومن البيت الذي دفع أقساطه بدمه، والأمرّ من ذلك كله، من طفليه.
كان يوم تنفيذ الحضانة المؤقتة والطلاق يومًا أسود في ذاكرة مراد. جاءت ندى برفقة الشرطة وعائلتها لأخذ الأطفال والأغراض الشخصية. كان آدم يبكي وهو يتشبث ببنطال أبيه، وتفتش ليا بعينيها الخائفتين عن تفسير لما يحدث.
”بابا، هل ستأتي معنا؟” سألت ليا وهي تشد قميصه.
جثا مراد على ركبتيه، والدموع تسقط على وجه الطفلة الصغير، وقال بصوت مرتجف: “سنلتقي قريبًا يا حبيبتي… قريبًا جدًا”.
أخذتهم ندى وأغلقت الباب خلفها. كان صدى إغلاق ذلك الباب يشبه صوت تابوت يُغلق بإحكام. وتحول البيت الكبير الفاخر فجأة إلى وكر ضيق ومظلم، تسكنه أشباح ضحكاتهم القديمة.
أصبح مراد رسميًا “رجلًا عازبًا”. لكنه لم يكن عازبًا بالمعنى الشبابي للكلمة؛ فلم يكن يملك حرية ولا أملًا في المستقبل. كان “عازبًا قسريًا”، رجلًا بُترت عائلته وظل ينزف.
انتقل إلى شقة صغيرة مستأجرة في أطراف المدينة. كانت جدرانها ذات بياض باهت، واقتصر الأثاث على سرير، وطاولة، وكرسي واحد. في العمل، لاحظ الزملاء انطفاء بريقه. كان يقضي الساعات يحدق في الفراغ. وكانت صور أطفاله تصله عبر وسائل التواصل الاجتماعي: ندى تنشر لقطاتهم مع طارق في الحدائق والمطاعم، وكأن مراد لم يكن له وجود قط، وكأن سنوات حياته مُحيت بضربة إسفنجة.
مرت ستة أشهر. واختُصرت اللقاءات بالأطفال إلى بضع ساعات في عطلة نهاية الأسبوع، في نوادٍ عامة تحت نظرات ندى المراقِبة والمتعالية. وفي كل مرة، كان يرى طفليه يبتعدان عنه خطوة تلو الأخرى. بدآ يترددان قبل الارتماء في حضنه، وأصبحت لغتهما باردة، متأثرة بكلمات الأم.
في شقته، كان الليل هو العدو الأكبر. كان الصمت يبدأ بالصراخ في أذنيه. يفكر في الخيانة: كيف لامرأة نامت على ذراعه لسنوات أن تدمر كل شيء في رفة عين؟ كيف يمكن للحب أن يتحول إلى مثل هذه القسوة؟ كان ينظر إلى المرآة فلا يرى سوى حطام رجل، غريب غزت التجاعيد ملامح وجهه قبل الأوان.
وفي مساء أحد أيام الجمعة، وبينما كان من المفترض أن يرى الأطفال في الغد، تلقى رسالة نصية قصيرة وموجزة من ندى: “الأطفال مسافرون معي ومع طارق في إجازة خارج البلاد. لن تتمكن من رؤيتهم في عطلة نهاية هذا الأسبوع، ولا في الأسابيع القادمة”.
كانت هذه الرسالة هي القشة التي قصمت ظهر البعير. شعر مراد فجأة ببرودة غريبة تسري في أطرافه. تلاشت سورة غضبه وتمردُه، وحل محلهما هدوء مرعب. جلس على كرسيه الوحيد وحدق في الفراغ. أدرك أن اللعبة قد انتهت، وأن القوانين، والحياة، والمرأة التي أحبها قد تحالفوا جميعًا لإعدامه ببطء. لذا، قرر أن يعجل بالنهاية، بيديْه.
أمسك بورقة بيضاء وقلم حبر جاف. لم يكتب كلمات عتاب لندى؛ فهي لم تكن تستحق حتى الحبر. بل كتب لأطفاله:
”آدم، ليا… يا قطعًا من روحي التي تفارقني الآن. أنا لا أتخلى عنكما بإرادتي، ولكن لأن العالم ضاق بي حتى لم يعد يتسع لأنفاسي. تذكرا دائمًا أنني أحببتكما حتى رمقي الأخير، وأنني لم أكن رجلًا سيئًا، بل كنت رجلًا مخلصًا في زمن لا يحترم الإخلاص. ابحثا عن الحقيقة عندما تكبران.”
وضع الرسالة على الطاولة، بجوار صورتهم العائلية القديمة، الشيء الوحيد الذي أخذه معه من بيته القديم.
صعد مراد إلى سطح البناية. كان الهواء قارسًا وأضواء المدينة البعيدة تلمع كنجوم سقطت على الأرض. ومن علٍ، بدت الشوارع والسيارات كلُّعب صغيرة في عالم وهمي.
خلع ساعته ووضعها على السور المنخفض. نظر إلى السماء ولم يصلِّ، شاعرًا أن روحه قد ماتت بالفعل في تلك الليلة التي قرأ فيها الرسائل؛ وجسده الآن لا يفعل سوى الحركة الأخيرة. خطا خطوة إضافية نحو الحافة، أغمض عينيه واستحضر ابتسامة طفليه، آدم وليا، لتكون آخر صورة يتذكرها. ثم، ألقى بنفسه في الفراغ.
في الصباح، تجمع الناس حول جثته الهامدة على الرصيف. وصلت الشرطة لتسجيل القضية في السجلات الرسمية تحت عنوان بارد وخالٍ من المشاعر: “انتحار رجل عازب بسبب أزمة اكتئاب”. انصرف الجميع، وظلت الحقيقة مدفونة في ورقة بيضاء على طاولة خشبية شاحبة.
