“الزمن الجميل”…هل كان جميلا حقا؟ (39)

مروان ناصح
في “الزمن الجميل”، لم يكن الصمت دومًا عجزًا، بل كان في كثير من الأحيان لغة دفاعية، وسلاحًا وحيدًا يملكه من لا يريد أن يصفّق…ولا يستطيع أن يحتجّ. كان هناك مثقفون قرأوا كل شيء، وفهموا اللعبة جيدًا، لكنهم اختاروا أن يصمتوا، ليس لأنهم جبناء…بل لأنهم كانوا يعرفون حجم النار التي ستحرقهم إن تكلّموا.
-الصمت موقف؟ أم هروب؟
لطالما اختلفت النظرة إلى هؤلاء، فالبعض رأى في صمتهم حكمة الناجي، والبعض الآخر رآه خيانة للقلم. لكن الحقيقة أعقد من هذا وذاك: الصمت في تلك السنوات لم يكن بلا ثمن، فهو موقفٌ ينهش القلب كل يوم، لأنه يعني أن ترى… ولا تقول.
-وظائف تُقيّد، ومسؤوليات تخنق:
كثير من هؤلاء كانوا مسؤولين، أو آباءً يعيلون عائلاتهم، أو أصحاب مناصب أدبية مرموقة، كانوا يعرفون أن كلمة واحدة صادقة كفيلة بأن تسلبهم كل شيء، فآثروا أن يكتبوا في دفاتر مغلقة، ويصمتوا في الجلسات العامة.
-الكتابة في المسودات… لا في الجرائد:
لم تكن أفكارهم خاملة، بل كانت تغلي في دفاترهم الخاصة، قصائد، مقالات، ملاحظات، كلها بقيت طيّ الكتمان، ربما خوفًا، وربما انتظارًا ليومٍ يسمح بالنشر. وبعضهم مات… ولم يخرج شيء من تلك الأوراق.
-حين يتكلّم الآخرون عنهم… لا إليهم:
المثقفون المجاهرون بالرفض، غالبًا ما كانوا يَصبّون اللوم عليهم، “لماذا لم تقولوا شيئًا؟”… “ألم يكن لكم موقف؟”، لكنهم لم يعرفوا أن الصمت أيضًا يوجِع، وأن ثمة من ظلّ يبتلع كلماته كيلا يبتلعهم الظلام.
-الصمت الذي لا يُكافأ:
بعض الصامتين انكفأوا حتى بعد تغيّر الظروف، ربما لأن الخوف صار جزءًا من جلدهم، أو لأنهم شعروا بالخجل من اعترافٍ تأخر، فصاروا غرباء عن جيل جديد لا يفهم لماذا صمتوا… ولا يسامحهم على ذلك.
-هل يكفي الصمت؟
تاريخ الفكر لا يرحم الصمت الطويل، لكنّه أيضًا لا يُكافئ الانتحار الرمزي، من لم يستطع أن يصرخ، ربما حفظ المعنى للغد، ومن لم يستطع أن يقاوم، ربما علّمنا أن النجاة -أحيانًا- هي شكل من أشكال المقاومة الصامتة.
-بعضهم تكلم أخيرًا:
وحين انفرجت بعض الأبواب، أصدر بعض هؤلاء مذكراتهم، أو كتبوا نصوصًا مدهشة في صدقها، نصوصًا ملأى بالندم والأسى، وكأنهم يقولون: “لم نكن صامتين لأننا لا نملك ما نقول…بل لأننا لم نكن نملك المكان الذي نقول فيه دون أن يُسحق صوتنا.”
-مقارنة مع الحاضر:
في أيامنا هذه، أصبحت بعض المساحات متاحة، لكن الصمت لا يزال خيارًا عند كثيرين، ربما خوفًا من التنمّر، أو الرقابة الناعمة، أو المحاكمات المجتمعية. ومع ذلك، أصبح ثمة منابر للمجهولين، وصارت الكلمة تتحايل، تهاجر، أو تُشفّر… لكنها لم تعد تموت كما كانت تموت في الأدراج الخشبية القديمة.
-خاتمة:
في “الزمن الجميل”،
لم يكن المثقف الصامت خائنًا للكلمة، بل كان -غالبًا- خائفًا من فقدان حياته أو حياة أحبّته، فليكن حكمنا عليه منصفًا، ولنتذكر أن بعض الأصوات لم تُسمع…لأن جدران السجون لم تكن تسمح بمرور الصدى.
