
علي حسن شعثان
باحث وكاتب: رئيس منتدى العُلا للدراسات/ الأردن
في ظل الأحداث والصراعات المترتبة على مستوى المحيط الإقليمي وافتعال الأزمات على المستوى الدولي تتباين التحليلات وتتضارب الرؤى في خصوص ما العوامل الدافعة التي قد تؤدّي إلى تلك الأحداث وصراعاتها؟، ومن الذي يقود إلى الحرب ولهيبها؟، هل الأبعاد السياسية؟، ام المطامع الإقتصادية ؟!، او كليهما؟!!.
وللمقاربة والتبيين حول هذا الجانب يُحبّذ أن يُتناول في المقام الأول مبدأ المفاهيم التعريفية للسياسية والإقتصاد خلال حقبتي الفكر الحديث والمعاصر.
فمفهوم السياسية في الفكر الحديث وفقاً لما عرفه (ماكس فيبر) هو السعي للمشاركة في السلطة او التأثير على توزيعها سواءً بين الدول او داخل الدولة ذاتها ، في حين أن (ديفيد أيستون) يعرف المفهوم بانه التوزيع السلطوي للقيم في المجتمع البشري بشكل عام، بينما (حنة آرندت) يقول بإن السياسة هي فعل البشر الأحرار في المجال العام دون الخاص.
وبالنسبة لتعريفات مفهوم السياسية في الفكر المعاصر تتجلى فيها الفوارق التي قد نختلف في تصنيفها على صيغة الإستفهام، بمفاد هل هذة الفوارق ناتجة من التطور المعرفي؟، ام من فعل حقيقة الإستحواذ السياسي ومطامعه المترتبة لا غير .
فالفكر الحديث (١٧٠٠-١٩٥٩) يعرف كل ما يتصل بالسياسة على أنه يتمثل في دولة لها قانون يشرعه البرلمان، في حين أن الفكر المعاصر (١٩٦٠- وحتى الآن) يعرف كل ما يتصل بالسياسة على أنه أكبر من ذلك بكثير بحيث أصبح الحال من الدولة إلى التكتلات والشبكية ومن المواطنة الى الهويات وخصوصيتها سواءً كانت إيجابية او سلبية وهنا يُقال بأن السياسية المعاصرة اصبحت صراع على الإعتراف قبل ان تكون صراع على الأسس السياسية ذاتها فتلاشت الأمور من حقيقة الواقع إلى الخطابات الرنانة ويكون المبتغى من إطار الدولة الواحدة الى إطار العولمة الشاملة، وقد استند الفكر السياسي المعاصر الى بعض المدارس امثال الواقعية لميكا فيلالي التي تقول بان العالم عبارة عن غابة والدول القوية فقط هي من تتحكم بالأمر إضافة إلى ذلك بروز مدرسة ما بعد الإنسانية التي تقول بأن السياسية ليست للبشر فقط بل قد يشترك في شؤونها الذكاء الاصطناعي وما إليه من الخلفيات المفبركة خوارزمياّ، فاصبح كل شيء مُسيّس وتلاشت جل القيم الإيجابية لتكون الترندات هي المحك المؤثر في خصوص الوعي الثقافي والإعلامي وان كانت هذة الترندات واضحة السلبية.
وهنا يُشار إلى إن الفوارق الناتجة في ما بين مفهوم السياسية في الفكر الحديث والمعاصر نتج عنها تحد جلي بحتمية كيف ان نجعل من كل هالسلطات المشتتة وسيلة تخدم الإنسان لا ان تسحقه، هذا على جانب المفاهيم السياسية.
اما على جانب المفاهيم الاقتصادية ففي الفكر الحديث الذي اعتبر علم الإقتصاد مستقل بذاته وليس تابع للفلسفة او الفقه كان إسمه قبل (١٧٧٦) علم تدبير المنزل ليكون إسمه بعد (آدم سميث) علم ثروة الأمم، وشخصت هذة المفاهيم في المعاني التحليلية جملة من القواعد التي منها:
الذهبية والمُصاغة على مبدأ اليد الخفية المجوّز لكل شخص في أن يبحث عن مصلحته وما على الدولة إلا أن تبني الجيش وتشرع القانون بالإضافة إلى تأمين الطريق، وهذا ما يتعارض واسس الحقوق والواجبات فيما بين الحاكم والمحكوم فعلياً، ليُقابل هذا المنطق برد المدرسة الماركسية (١٨٦٧) الذي يقول بان: رأس المال يمص دم العامل ويأخذ القيمة الزائدة، وقد جائت بعد الكساد الكبير (١٩٢٩) الذي يوحي بان اليد الخفية احيانا تنام عشرين سنة، مدرسة الكينزية لجوت مينارد كينز (١٩٣٦) مُلزمة هذة المدرسة للدولة بضرورة التدخل اللازم وقت الأزمات من وجوب الصرف الأدنى للأجور على الأقل وتشغل الناس حتى وإن كان هناك عجزاً في الموازنة العامة للدولة.
وإلى هذا فإن مفهوم الإقتصاد في الفكر المعاصر يُعرّفه المختصون على إنه عبارة عن سوق يقوده العقل و اللاشعور بكل إهتمام لا الثروات بمفردها فأصبحت الشركات تلعب على النفسيات البشرية كي تجلب المال وليس على مبتغى المال بصورة مباشرة، بحيث أنتشرت الأسواق الرقمية بصورة هائلة وظهرت الفوارق فيما بين كلٌ من الإقتصاد في الفكر الحديث وكذا في الفكر المعاصر، فالفكر الحديث يقول الإقتصاد عبارة عن ( ثروة، مصانع، عُمال)، بينما ان الفكر المعاصر و روّاده المختصين يقولون بإن الإقتصاد عبارة عن ( ثروة، بيانات، شبكات) وكون نظريات الفكر الإقتصادي المعاصر قد كشفت في محتواها عن إخفاقات الفكر الإقتصادي الحديث إلا إنها من حيث التدقيق قد ولّدت ثلاث مما يحسب على انها مخاطر إقتصادية:
١- خطر العملات الرقمية وارتباط ديمومتها بمدى ديمومة المجال الإلكتروني
٢- خطر فك الأمان الذي لم يضمن للفرد وظيفته مما يبقيه في حالة التخوف
٣- خطر عدم المساواة الجوهرية، فالذي عنده بيانات و سيرفرات خوارزمية صار أغنى من الذي عنده نفط وهكذا تُقاس بقية الأمور.
وبالعودة إلى مغزى عنوان الموضوع الذي من خلاله يُحاول أن يُبيّن ايهما الذي يقود إلى الحرب، السياسة أم الإقتصاد او كليهما في نفس المضمار فإن الجواب لا يقتصر لا على السياسة ولا على الإقتصاد بل شمل الأثنين معاً بإفادة أن القاسم المشترك بينهما هي نقطة الغيرة التي من خلالها تندلع الحروب العبثية بين الشعوب ومستحيل أن يفصل إحداهما عن الآخر، فعندما تكون السياسة هي القائد يكون الصراع على الهوية والكرامة والسلطة والإعتراف، وعندما يكون الإقتصاد هو القائد يكون الصراع على الموارد النادرة والثمينة ، وللسياسة والإقتصاد قواعد يرتكزان عليها من حيث المبدأ.
فالسياسة مبنية على قاعدة عدم جرح الكرامة في حين أن الإقتصاد مبني على قاعدة عدم الجوع، وهكذا الجوهر بالنسبة لبقية العلوم.
وللمقاربة المنطقية فيما بين السياسة والإقتصاد نستطيع القول بإنهما – أي السياسة والإقتصاد – تؤم سيامي لو فصل إحداهما عن الآخر يموتا الإثنين معاً غير أن لكل واحد منهما وجه ودماغ مستقل في الشكل والمضمون، ومع هذا تبلورت في شأنهما القوانين المتصلة في السياق وصيغت وفق ثلاث من العبارات المُحكمة .
العبارة الأولى تفيد بإن لا سياسة بدون إقتصاد (من الذي يمول ويدفع الرواتب )
العبارة الثانية تفيد بإن لا إقتصاد بدون سياسة (فاليد الخفية تحتاج يد خشنة)
العبارة الثالثة تفيد بإن كل قرار سياسي له كلفة وكل مشروع إقتصادي له أثر سياسي ( فالإعترافات السياسية الغير مرحب بها لها عقوبات إقتصادية، وكذلك المشاريع الإقتصادية الغير مرغوب فيها لها مفارض سياسية) .
ومن كل هذا يُستنتج بأن السياسية والإقتصاد عنصران متلازمان يكمل كلٌ منهما الآخر وأن الإثنين معاً يقودا إلى الحرب حال الإستهتار وعدم التريث ودراسة إن هنالك حتمياً ستكون عواقب سلبية.
المصدر: مجلة منتدى البحر الأحمر الدولية والصادرة باللغة الإنجليزية في بلجيكا
