
ماجد قرة
ليس الزمن مجرد إطار تتحرك داخله الأحداث، بل هو أحد أعمق مكونات الوجود الإنساني؛ فمن خلاله تتشكل الذاكرة، وتتبدل المجتمعات، وتُبنى الحضارات وتنهار. ومن هنا تكتسب مسألة تحقيب التاريخ أهميتها؛ فالتحقيب ليس مجرد تقسيم للسنوات إلى عصور ومراحل، وإنما هو محاولة لفهم طبيعة التحولات التي تصنع التاريخ، واكتشاف الإيقاعات المختلفة التي تتحرك بها المجتمعات عبر الزمن.
في هذا السياق، يطرح الأستاذ الدكتور سيّار الجميل سؤالاً يتجاوز حدود التأريخ التقليدي: كيف يمكن أن نفهم الزمن الذي نعيش فيه، إذا كانت الأدوات التي اعتدنا استخدامها لقراءة التاريخ لم تعد قادرة على تفسير عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة؟
فالتحقيب التاريخي، كما يتضح من طرح الجميل، ليس تقويماً جامداً يبدأ عند نقطة وينتهي عند أخرى، وإنما رؤية منهجية لصيرورة الحضارات. وما نعدّه «عصراً» ليس بالضرورة زمناً محدداً بالسنوات، بل حالة تاريخية تتشكل من تفاعل السياسة والمجتمع والثقافة والاقتصاد والمعرفة والتقنية. لذلك فإن حدود العصور لا تكون دائماً واضحة، وقد تتداخل الأزمنة داخل المجتمع الواحد، بل قد يعيش الإنسان في اللحظة نفسها بقايا زمن قديم وإرهاصات زمن لم يكتمل بعد.
ومن هنا تتصل مسألة التحقيب بفكرة أن التاريخ ليس سلسلة مستقيمة ذات حلقات ثابتة، بل نسيج متداخل يعاد تشكيله باستمرار. فالماضي لا يبقى على صورته الأولى؛ إذ يعيد كل جيل اكتشافه وقراءته من موقعه الخاص. وما كان يبدو حقيقة مكتملة قد يتحول، بفعل اكتشاف وثيقة جديدة أو ظهور سؤال جديد، إلى موضوع للتأويل والمراجعة. ولهذا يصبح التاريخ حواراً مستمراً بين الماضي والحاضر، وليس مجرد سجل لما حدث.
ويأخذ هذا التصور بعداً أكثر أهمية حين نضعه أمام التحقيب الذي ساد الكتابة التاريخية الحديثة، ولا سيما التقسيم الأوروبي المألوف إلى عصور قديمة ووسطى وحديثة. فهذا التقسيم، على الرغم من قيمته في سياقه التاريخي، لا يستطيع أن يكون مقياساً كونياً لتجارب الشعوب جميعاً. فسقوط روما، أو سقوط القسطنطينية، أو غيرهما من المحطات التي شكلت منعطفات كبرى في التاريخ الأوروبي، لا يمكن أن تكون بالضرورة الحدود الزمنية ذاتها في المجتمعات العربية والشرقية أو في الحضارات الآسيوية والأفريقية.
إن المشكلة لا تكمن في وجود التحقيب، بل في تحويل تحقيب خاص إلى قانون عام. فلكل مجتمع إيقاعه التاريخي، ولكل حضارة لحظات صعود وتحول وانقطاع واستمرار لا تتطابق بالضرورة مع غيرها. ولذلك تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى تحقيب مرن ومتعدد المراكز، يستطيع قراءة التاريخ من داخله، لا فرض نموذج واحد عليه.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يظهر عندما ننتقل من التحقيب إلى التسارع التاريخي. ففي الأزمنة السابقة كانت التحولات الكبرى تحتاج غالباً إلى أجيال طويلة حتى تستقر آثارها في وعي المجتمع. أما اليوم، فقد أصبح التغيير يحدث بوتيرة تكاد تفوق قدرة الإنسان على استيعابه. المعرفة تتضاعف، والتقنيات تتبدل، وأنماط العمل والتواصل والتعليم والاستهلاك تتغير خلال سنوات قليلة، وأحياناً خلال أشهر.
لقد أدخلتنا الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في زمن مختلف؛ زمن لا ينتظر اكتمال المرحلة السابقة قبل أن يبدأ التالية. وما كان يحتاج إلى عقود أصبح يحدث في سنوات، وما كان يحتاج إلى سنوات قد يحدث في أشهر. وهنا لا يعود السؤال: «في أي عصر نعيش؟» سؤالاً عن اسم الحقبة بقدر ما يصبح سؤالاً عن سرعة العصر نفسه.
والأخطر أن البشر لا يعيشون هذا التسارع بدرجة واحدة. فهناك مجتمعات تنتج المعرفة والتقنية وتحدد اتجاهات التحول، وأخرى تستهلك نتائج هذا التحول من دون أن تشارك بصورة حقيقية في صناعته. ومن هنا تنشأ فجوة تاريخية وحضارية لا تقاس فقط بالفارق الاقتصادي، وإنما بقدرة المجتمع على إنتاج المعرفة، وفهم المتغيرات، والمشاركة في تشكيل المستقبل.
وفي هذا السياق يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد تقنية جديدة؛ إنه أحد المؤشرات الكبرى على انتقال الإنسان إلى مرحلة تاريخية مختلفة. فهو لا يغير أدوات العمل وحدها، بل يطرح أسئلة عن المعرفة والإبداع والوظيفة والتعليم وحتى عن معنى بعض القدرات التي طالما اعتبرها الإنسان جزءاً مميزاً من طبيعته.
لذلك لم يعد المستقبل امتداداً بسيطاً للماضي. لقد أصبح فضاءً مفتوحاً، تتداخل في تشكيله قرارات الإنسان مع التطورات العلمية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية. وما سيأتي ليس بالضرورة نسخة محسنة مما نعيشه اليوم، بل قد يكون عالماً مختلفاً في بنيته ومفاهيمه وعلاقاته.
وهنا تبرز المسألة الأكثر حساسية بالنسبة إلى مجتمعاتنا: هل نريد أن نكون جزءاً من صناعة المستقبل، أم نكتفي بمراقبته واستهلاك منتجاته؟
إن الإجابة لا تكمن في القطيعة مع الماضي ولا في الارتماء في أحضانه. فالمطلوب ليس إلغاء التراث، وإنما تحرير علاقتنا به من التقديس الذي يمنع السؤال، ومن الحنين الذي يحول الماضي إلى ملجأ للهروب من الحاضر. الماضي يصبح أكثر فاعلية حين يتحول إلى معرفة نقدية، لا إلى قيد يمنع الحركة.
ومن هنا تأتي دعوة الجميل إلى عقلانية مفتوحة قادرة على مراجعة المسلمات، وتجاوز الانغلاق الأيديولوجي والقومي، وإعادة بناء علاقة أكثر توازناً بين الإنسان وتاريخه. فالمجتمع الذي لا يستطيع مراجعة أفكاره لا يستطيع أن يشارك في صناعة زمن جديد.
ولا يمكن لأي مشروع مستقبلي أن ينجح من دون بيئة اجتماعية يسودها الأمان والانسجام والقدرة على الاختلاف. فخطاب الكراهية والتنازع المستمر لا يستهلك الحاضر فحسب، بل يبدد الطاقة التي تحتاجها المجتمعات لبناء المستقبل. كما أن صناعة المستقبل تتطلب نخباً جديدة من المؤرخين والمفكرين والباحثين، لا تكتفي بإعادة إنتاج الأسئلة القديمة، بل تمتلك شجاعة طرح أسئلة الزمن الجديد وأدواته.
بهذا المعنى، تصبح دراسة الزمن نوعاً من دراسة الذات. فنحن لا نسأل فقط: «في أي عصر نعيش؟» بل نسأل أيضاً: هل نعيش زمننا فعلاً، أم أننا عالقون بين أزمنة متصارعة؟
ربما تكمن أهمية طرح الدكتور سيّار الجميل في أنه ينقل النقاش حول التاريخ من مجرد سرد للماضي إلى سؤال عن موقع الإنسان في حركة الزمن. فالتاريخ ليس وراءنا تماماً، والمستقبل ليس أمامنا وحده؛ كلاهما يتقاطعان في اللحظة التي نعيشها الآن.
إننا أمام زمن سريع، متعدد الإيقاعات، تتجاور فيه بقايا الماضي مع احتمالات المستقبل. وفي مثل هذا العالم، لا يكفي أن نعرف ما الذي حدث؛ علينا أن نفهم لماذا يتغير العالم بهذه السرعة، وأين نقف نحن من هذا التغير، وما الذي نريد أن نصبحه؟
فالمستقبل، في النهاية، لا ينتظر من يحنّ إليه، وإنما يحتاج إلى من يفهم شروطه ويشارك في صنعه. ومن لا يملك القدرة على قراءة زمنه، قد يجد نفسه يعيش في زمن يصنعه الآخرون.
– تحقيب الأزمنة والتسارع التاريخي : في اي زمن نعيش اليوم؟ وما مستقبلنا
مع الاستاذ الدكتور سيّار الجميل / العراق – كندا.
المحاور :
١/ مفهوم التحقيب ونظرية الاجيال .
٢/ سلاسل الماضي انتهت .
٣/ التسارع التاريخي واين نحن منه ؟
٤/ ما المستقبل واين نحن فيه ؟
٥/ استنتاجات رؤيوية
إدارة الأديبة إخلاص فرنسيس
المنسق العلمي: د. حنا نعيم حنا
يوم الاثنين 8 أيلول سبتمبر 2025
– غرفة 19- سان دياغو- كاليفورنيا
.
See less
