ما الذي حدث؟
من أين تسلّل هذا الطوفانُ الخفيّ
ليُربكَ ميزانَ الروح،
ويُبدّلَ معالمَ الحكاية؟
كنتُ أحسبُ أنّني أعرفُ كيف أرتّقُ فتقَ الصّمت،
فما الذي عصفَ بهذا اليقين؟
كلُّ شيءٍ في مكانه:
الشجرةُ تحرسُ النافذةَ كعهدها،
وفنجانُ القهوةِ يرسمُ دوائرَه المعتادة،
والوقتُ ينسلُّ هادئًا،
وأنا أسايرُ ظلّي وأمضي.
لكنّني صرتُ
أصغي إلى خُطًى
تتردّدُ في دهاليز الذاكرة،
أتعثرُ باسمٍ
يعبرُ الغرفةَ كطيف،
أتأمّلُ مقعدًا فارغًا،
وأصمتُ أمام صمتٍ
أثقلَ من حجر.
أهذا كلُّ ما في الأمر؟
ربّما.
فلماذا أستدعي عشتارَ
من رماد أساطيرها،
ولماذا يمرُّ كيوبيدُ في أزقّة روحي
يُخفي نبالَه تحت عباءته؟
وإنكيدو…
يا خارجًا من وحشة الطين والبراري،
أفهمُكَ الآن.
ما الذي رأيتَه
حتّى تركتَ البراري خلفكَ
ومضيت؟
أيُّ سرٍّ
يختصرُ اتّساعَ الأرض
في وجهٍ واحد،
حتّى يضيقَ العالمُ كلُّه
ويتّسعَ له؟
كفى،
هكذا أقولُ لمرآتي،
ثمّ أضحك.
ومنذ متى
كان القلبُ يستأذنُ العقلَ؟
أأخاف؟
ربّما أخشى
أن أرى أكثرَ ممّا ينبغي…
فبعضُ الغشاوةِ رحمة،
وبعضُ الأسماء
إذا كففنا عن مناداتها
نامتْ قليلًا
في قاع النسيان.
فلماذا
كلما أغلقتُ بابَ الأبجديّة
تسلّل الاسمُ من شقوقها؟
ولماذا أتركُ في آخر اللّيل
مصباحًا صغيرًا
يرمشُ خلف الستائر،
كأنَّ خُطًى بعيدةً
قد تخطئُ طريقها
وتصل؟
لا أحدَ في الطريق.
وأنا
لا أنتظرُ أحدًا.
لكنَّ شجرةَ اللّوز،
تلك التي لا تعرفُ شيئًا
عن حذري،
أزهرتْ في غير أوانها.
ما شأنُ زهرها بي؟
لا شأنَ لي به.
وما شأني أنا
بهذا الذي يزهرُ في داخلي؟
لا شيء.
لا شيء البتّة…
فلماذا، إذًا
كلُّ هذا الرّبيع؟
