
الكاتبة الروائية رزان نعيم المغربي/ليبيا
أتذكّر أن ما شجّعني على قبول الدعوات إلى نوادي القراءة التي تُعقد عبر منصة «زووم»، هو مشهد يعود إلى زمن جائحة كورونا، عندما صارت الحياة بكل تفاصيلها تقريبًا على الشاشات، واتّسع حضور تطبيق «تيك توك» وملأ جانبًا من الفراغ الذي خلّفه الحجر. كنت أتصفّح التطبيق ذات مرة، فعثرت على بثّ مباشر تجلس فيه سيدات هولنديات في بيوتهن بكامل استرخائهن؛ بعضهن بملابس النوم، وإحداهن تسحب بطانية فوق جسدها، وكل واحدة تحتلّ ركنًا من بيتها وبيدها كتاب يختلف عن كتب الأخريات.
بدا المشهد عفويًا وحميميًا، ومع ذلك كان جلسة ثقافية حقيقية. تتحدث كل واحدة عن الكتاب الذي تقرؤه، وما شدّها إليه، وما وجدته بين صفحاته. صرت مدمنة على متابعتهن، رغم أن إلمامي باللغة الهولندية وقتها لم يكن كافيًا لفهم ما يقلنه. كنت أحرص على التقاط عناوين الكتب، ثم أبحث عنها في «غوغل». اكتشفت أن اختياراتهن تتجاوز الكتب الرائجة وأسماء المشاهير؛ كانت متنوعة إلى حدّ كبير: رواية أولى لكاتب شاب، سيرة ذاتية لكاتب معروف، أو كتاب عثرت عليه إحداهن مصادفة وأرادت أن تشارك الأخريات اكتشافه. كان الفضول هو الذي يقود الجلسة. كل قارئة جاءت بكتاب اختارته بنفسها، من دون مظهر رسمي أو استعراض ثقافي أو ضيف يحتلّ مركز اللقاء. يحضر الكتاب بثقل المعرفة وتبادل تجربة القراءة، من غير ادّعاء امتلاك معرفة كاملة أو ذائقة أعلى من ذائقة الأخريات. ربما كان ذلك المشهد وراء اندفاعي لاحقًا إلى قبول الدعوات للمشاركة في المقابل العربي لهذه اللقاءات.
بدأت نوادي القراءة الرقمية تنتشر ببطء، ثم تكاثرت حتى ازدحم بها الفضاء الافتراضي. بدت الفكرة في بدايتها جذابة: قرّاء من مدن وبلدان مختلفة يلتقون حول كتاب، ويتجاوزون ما تفرضه المسافات وصعوبة السفر وندرة الفعاليات الثقافية. غير أن تكرار التجربة جعلني أتساءل: هل بقي الكتاب مركز هذه اللقاءات فعلًا، أم تحوّلت بعض نوادي القراءة إلى منابر لتسويق الكتب والكتّاب وتبادل المجاملات داخل دوائر أدبية مغلقة؟ يبدأ الأمر من اختيار الكتب. تتكرّر أسماء بعينها، ويعود الضيوف أنفسهم، فيما تغيب أعمال كثيرة كان يمكن أن توسّع معرفة القارئ وتفتح أمامه آفاقًا جديدة. وقد يُختار الكتاب بسبب علاقة تربط الكاتب بإدارة النادي، أو لأن الاسم الرائج يضمن عددًا أكبر من المتابعين، أو لأن استضافته تمنح النادي مكانة يرغب في ترسيخها.
المفترض أن نادي القراءة وجد ليحرر القارئ من سلطة القوائم والمؤسسات لكن معظمهم انتهوا إلى إنشاء قائمة مغلقة تسعى إلى احتكار حق الاختيار ومنح الاعتراف
وأظنّ لهذا السبب صار يتراجع فضول القراءة أمام حسابات الحضور والانتشار والعلاقات. ثم تأتي طريقة إدارة النقاش. عبارات الإعجاب جاهزة، والأسئلة تتحوّل إلى مقدمات مطوّلة في مديح الضيف، ويُعامل النقد كأنه إساءة إلى الكاتب أو تقليل من قيمة عمله. يغدو القارئ مستمعًا، فيما يصبح اللقاء احتفائيًا، تدور فيه الكلمات حول صاحب الكتاب أكثر مما تدور حول الكتاب نفسه. ومع الوقت، يتحوّل القارئ من شريك في الحوار إلى جمهور تصفيق.
المشكلة ليست في الاحتفاء بالكاتب المعروف، وإنما في أن يتحوّل إلى وسيلة لمحو المشهد الذي جاء منه، حيث كثرة استضافة اسم واحد قد تجعله، في وعي الجمهور، ممثلًا وحيدًا لأدب بلد كامل. فهل الشهرة، بسبب جائزة أو لأنه عُرف أكثر من غيره، تمنح صاحبها حقّ اختزال تجارب متعددة ومتباينة في تجربته وحدها؟ كثيرًا ما حضرت مناقشات لأعمال كاتب ليبي حقّق شهرة عربية، وسمعت بعض المناقشين يقولون، في معرض الاحتفاء به: «نحن لا نعرف من أدباء ليبيا سواه».
كانت العبارة تضايقني، من دون أن ينتقص ذلك من تقديري للكاتب المحتفى به أو من قيمة تجربته. ما يثير ضيقي هو أن المديح هنا يُبنى على محو الآخرين، وأن أدب بلد كامل يُختصر في الاسم الذي نجحت المنابر في تكراره أمام جمهورها. ويزداد استنكاري، على سبيل المثال، حين تصدر العبارة عن كاتبة زارت ليبيا مرات عديدة، والتقت عددًا من كتّابها، وحضرت ندوات لأدباء ليبيين في بلدها، وربما ساهمت في تنظيم بعضها. عندئذ يصعب تصديق كلامها على أنه جاء عفو الخاطر، بحدود معرفتها الضيقة، مما يجعلني أسأل: هل يحتاج إعلاء اسم كاتب إلى إخفاء كل من يقف إلى جواره؟ وهل تصبح المجاملة أكثر تأثيرًا حين تمنح الضيف حقّ تمثيل مشهد أدبي بأكمله؟
تتكرّر العبارة نفسها في مناسبات أخرى، بحضور أدباء ليبيين غيري، سواء أُقيمت الندوة عبر «زووم» أم بحضور الضيف بشكل شخصي. وهذا التكرار يكشف أن المسألة صارت مقصودة؛ نحن أمام أشخاص لديهم رغبة في صناعة اسم واحد، للاستدلال بشهرته على استحقاقه مزيدًا من الحضور، لتزداد شهرته، وتبقى بقية الأصوات خارج الدائرة.
وبذلك تصنع المنابر النتيجة التي تزعم أنها وجدتها جاهزة. لطالما رأيت أن المهتم بالأدب شريك في فعل الاكتشاف، وليس متلقيًا سلبيًا ينتظر أن تحمل إليه المنصات الأسماء الرائجة وحدها. في زمن أصبحت فيه الكتب والمراجعات والحوارات وصفحات الكتّاب في متناول الجميع، تصبح المعرفة منوطة بالبحث الشخصي وعدم الركون لما يُقدَّم لها.
شخصيًا، قادتني عناوين التقطتها من حديث قارئات لم أكن أفهم لغتهن بالكامل إلى اكتشاف كتب وكتّاب جدد؛ فكيف يعجز قارئ عربي عن تجاوز القائمة التي تكرّرها أمامه المنابر نفسها؟ ومن الإنصاف هنا أن أستثني مؤسسة «غرفة 19» من هذا النقد، فقد قدّمت، في حدود ما تابعت من نشاطها، ندوات ومناقشات أدبية اتسمت بالمهنية وتنوّع الاختيارات وحسن إدارة الحوار، بعيدًا عن التحيّز إلى دائرة محددة من الأسماء. وتجربتها تؤكد أن الخلل مرتبط بطريقة إدارة النادي وخياراته، وليس بفكرة نوادي القراءة نفسها
تبدو المقارنة هنا بين تصورين لنادي القراءة: نادٍ ينطلق من فضول القارئ ورغبته في الاكتشاف، ونادٍ يتخذ القراءة غطاءً للعلاقات والتسويق. الأول يوسّع دائرة الفرجار، ويمنح قارئه فرصة للعثور على أصوات وتجارب جديدة. أما الثاني فيضيّقها، ويعيد إنتاج الأسماء التي سبقتها شهرتها إليه، ثم يقدّم اختياراته المحدودة لتكون صورة كاملة للمشهد الأدبي.
وتتجاوز رغبة بعض هذه النوادي تسويق كتب أو أسماء بعينها إلى تشكيل سلطة ثقافية خاصة بها. فهي تختار من يستحق أن يُقرأ، ومن يستحق أن يظهر، ومن يملك حقّ تمثيل أدب بلد كامل. ومع تكرار الضيوف وتثبيت دائرة محددة من العلاقات، يتحوّل النادي من وسيط بين القارئ والكتاب إلى بوابة تقرّر من يمرّ إلى الجمهور ومن يبقى خارجه.
هذه السلطة تعلن حضورها من خلال الاختيار والتكرار وطريقة تقديم الضيف وإدارة الأسئلة، ومن خلال منح الاعتراف لبعض الأسماء وحجبه عن غيرها. وحين يكتسب النادي جمهورًا كبيرًا، ربما تتحوّل ذائقته الخاصة إلى معيار، واختياراته إلى قائمة معروفة ومحدودة لمن يملك القيمة الأدبية. المفترض أن نادي القراءة وُجد ليحرّر القارئ من سلطة القوائم والمؤسسات، لكن معظمهم انتهوا إلى إنشاء قائمة مغلقة ومؤسسة مصغّرة أكثر تحكّمًا، تسعى إلى احتكار حقّ الاختيار ومنح الاعتراف.
المصدر العرب
