
إعداد د.أنطوان يزبك
الجميل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أنها تتيح لنا وفرة و قدرة لا محدودة في الوصول إلى النصوص الفلسفية والعلمية في اختصاصات متنوّعة .
أقدّم هنا شرحا لنصّ من كتاب “إنساني، مفرط في إنسانيته” لفريدريش نيتشه ، بقلم ماتياس رو، أستاذ الفلسفة، طُرح هذا النص هذه السنة، في امتحان الشعبة التكنولوجية، وهو مقتطف من كتاب «إنساني، مفرط في إنسانيته» (1878) للفيلسوف Friedrich Nietzsche.
طبعا هذه ترجمة عن الفرنسية وثمة فوارق ببن المصطلحات بحسب المدارس الفلسفية ولكن الترجمة أمينة بدرجة عالية والهدف هو الفائدة وأخذ فكرة عامة ومعلومات قيمة لكل إنسان يحب المعرفة والإطلاع وليس فقط المشتغل بالفلسفة أكان أستاذا او طالبا .
“النص” :
«إن المناهج العلمية تُعدّ من أعظم مكاسب البحث العلمي، وربما لا تقل أهمية عن أي نتيجة علمية أخرى؛ فالفكر العلمي يقوم أساسًا على فهم المنهج، وحتى لو احتفظنا بكل نتائج العلوم، فإن ضياع هذه المناهج قد يؤدي إلى انتصار جديد للخرافة والعبث.
فالأشخاص المتعلمون قد يكتسبون ما شاءوا من المعارف العلمية، لكننا نلاحظ دائمًا في أحاديثهم، وخاصة في الفرضيات التي يطرحونها، أنهم يفتقرون إلى الروح العلمية؛ إذ ليست لديهم تلك الريبة الفطرية تجاه انحرافات التفكير التي ترسّخت في نفس كل عالم نتيجة تدريب طويل.
يكفيهم أن يعثروا على فرضية ما حول موضوع معين حتى يتحمسوا لها بشدة ويعتقدوا أنها قد فسّرت كل شيء. فامتلاك رأي يعني عندهم التحول فورًا إلى متعصب له، ثم اعتباره في النهاية عقيدة راسخة. إنهم يندفعون تجاه أول فكرة تخطر ببالهم وتشبه التفسير فيتخذونها تفسيرًا حقيقيًا. ومن هنا تنشأ باستمرار، ولا سيما في المجال السياسي، أسوأ النتائج. لذلك ينبغي لكل إنسان اليوم أن يتعلم علمًا واحدًا على الأقل بعمق؛ فعندئذ سيدرك معنى المنهج، ويدرك مدى ضرورة التحلي بأقصى درجات الحذر.»
— فريدريش نيتشه، إنساني، مفرط في إنسانيته (1878)
المقدمة :
يرى نيتشه أن تقدم العقل البشري في مجال العقلانية لا يعتمد أساسًا على تراكم المعارف العلمية، بل على اكتساب المنهج العلمي. وهذه هي الفكرة الأساسية التي يدافع عنها في هذا المقتطف.
وفي ظل عصرنا الحالي، الذي يشهد انتشار الأخبار الزائفة ونظريات المؤامرة، يبدو هذا النص الفلسفي ذا راهنية كبيرة؛ إذ يسلط الضوء على مشكلة لا تزال قائمة حتى اليوم، وهي أن انتشار المعرفة العلمية بين الناس لا يؤدي تلقائيًا إلى القضاء على الخرافة والتعصب.
الجزء الأول: من بداية النص إلى «العبث»
يعرّف نيتشه «الروح العلمية» بأنها فهم المنهج العلمي.
ومن اللافت أنه يستخدم أولًا عبارة «المناهج» بصيغة الجمع، ثم يتحدث عن «المنهج» بصيغة المفرد، وكأنه يريد القول إن العلوم المختلفة، رغم تنوعها، تشترك في طريقة تفكير واحدة.
ومنذ القرن الثامن عشر، تميز المنهج العلمي بالتشكيك في التفسيرات التي تستند إلى أسباب لا يمكن اختبارها أو ملاحظتها مباشرة. ولذلك يفضل العلماء الفرضيات التي يمكن التحقق من نتائجها بالتجربة.
فعلى سبيل المثال، كان أرسطو يفسر سقوط الحجر بوجود قوة داخلية تدفعه للعودة إلى مكانه الطبيعي، أي الأرض. لكن هذه القوة لم يكن بالإمكان ملاحظتها. أما نيوتن فقد فسّر الحركة من خلال التفاعل بين الأجسام وكتلها، ووضع قوانين الحركة دون الحاجة إلى افتراض قوى غامضة كامنة داخل المادة.
وبالمثل، تخلّى العلماء تدريجيًا عن مفهوم «الروح» الغامض لتفسير ظاهرة الحياة.
لكن نيتشه يحذر من أن بقاء الروح العلمية داخل المجتمع يتطلب تعلم المنهج بقدر ما يتطلب تعلم النتائج العلمية نفسها. بل إنه يرى أن نسيان المنهج أخطر من نسيان النظريات العلمية؛ لأن المنهج وحده هو الذي يمنع عودة الخرافة واللامعقول.
ويمكن ملاحظة ذلك اليوم في انتشار أفكار مثل الاعتقاد بأن الأرض مسطحة، رغم وجود أدلة علمية متراكمة منذ آلاف السنين تثبت عكس ذلك.
الجزء الثاني: من «الأشخاص المتعلمون» إلى «تشبه تفسيرًا»
من أين تأتي هذه النزعة الفكرية؟
يبدأ نيتشه بمفهوم الخرافة. فالخرافة هي الإيمان بشيء يهدف إلى سد فراغ تفسيري وتخفيف القلق الناتج عن الجهل.
فالإنسان سعى دائمًا إلى فهم الطبيعة للتنبؤ بالمستقبل وتقليل حالة عدم اليقين. وتوفر الخرافة هذا الشعور بالأمان؛ إذ تجعل الفرد يفسر حدثًا ما على أنه علامة على وقوع أمر جيد أو سيئ، فيستعد له أو يحاول تجنبه.
والأمر المثير للاهتمام هو أن هذه النزعة لا تصيب الجهلة فقط، بل تشمل أيضًا «الأشخاص المثقفين» أو المتعلمين. وهذا يدل على وجود ميل طبيعي لدى الإنسان نحو التفكير الخرافي، لأنه يلبّي حاجة نفسية لا يكفي العلم وحده لإلغائها.
عندما يقول نيتشه:
«يكفيهم أن يعثروا على فرضية ما حتى يتحمسوا لها ويعتقدوا أن كل شيء قد فُسِّر.»
يمكن ربط ذلك بمفهوم حديث في علم النفس الاجتماعي هو التحيّز المعرفي، وخاصة تحيز التأكيد؛ وهو ميل الإنسان إلى الاهتمام بالمعلومات التي تؤكد معتقداته السابقة أكثر من اهتمامه بالمعلومات التي تناقضها.
ويظهر هذا التحيز بوضوح في نظريات المؤامرة؛ حيث يختار أصحابها فقط الأدلة التي تدعم أفكارهم ويتجاهلون الوقائع المخالفة لها.
ويرى نيتشه أن السبب في ذلك هو أن البشر لا يحبون حالة الشك وعدم اليقين التي يتطلبها البحث العلمي. ولذلك يستخدم في النص ألفاظًا مرتبطة بالعاطفة والانفعال مثل: «يتحمسون»، «يأخذون الأمر إلى قلوبهم»، «يثورون».
فهو ينتقد التعصب، أي الحالة التي يلتصق فيها الفكر بآرائه التصاقًا كاملًا فلا يترك أي مجال للشك أو المراجعة.
وهكذا تتحول «الآراء» — وهي معتقدات ذات أساس غير مكتمل — إلى «قناعات» مطلقة لا يُسمح بالتشكيك فيها.
الجزء الثالث: من «ومن هنا تنشأ» إلى نهاية النص
في القسم الأخير من النص يطلق نيتشه تحذيرًا مهمًا.
فهو يرى أن أخطر آثار هذا النمط من التفكير تظهر في السياسة، أي في مجال إدارة المجتمع واتخاذ القرارات الجماعية.
وقد يبدو هذا الرأي غريبًا؛ لأن السياسة ليست علمًا دقيقًا، ولا توجد فيها يقينيات مطلقة كما في بعض العلوم. فنحن نصوّت عادةً بناءً على آراء وتقديرات أكثر مما نصوّت بناءً على حقائق علمية.
صحيح أن العلوم تساعد في توجيه القرار السياسي، لكنها لا تلغي النقاش الديمقراطي أو التداول الجماعي.
ومع ذلك، يؤكد نيتشه أنه حتى لو لم تكن السياسة علمًا، فإن التعامل معها يحتاج إلى روح علمية: أي القدرة على الشك، والبحث عن المعلومات، والنقد، وفحص الأدلة قبل اتخاذ المواقف السياسية.
فمن دون هذه الروح يصبح التعصب السياسي خطرًا كبيرًا على المجتمع.
الخاتمة
يمكن إعادة صياغة فكرة نيتشه الأساسية بمفهوم معاصر هو التفكير النقدي.
فالنص دعوة إلى تنمية هذا التفكير داخلنا حتى لا نقع ضحية التلاعب أو نخدع أنفسنا بالانجراف وراء أفكار تروق لنا عاطفيًا أكثر مما تستند إلى حجج عقلية قوية.
وبعبارة أخرى، لا تكمن قيمة العلم فقط في ما يقدمه من معارف، بل في الطريقة التي يعلمنا بها التفكير بحذر، والتشكيك المنهجي، والبحث المستمر عن الأدلة.
