حين تنطق العينان
الشفتان هادئتان… مهذّبتان… تخفيان آهة القدر،
لكنّ العينين تفضحان حكاية ألف نظرة ونظرة.
ثمّة تعبٌ خفيف يسكن النظرة،
تعبُ امرأةٍ لم تعد تؤمن بالكلام الكثير،
امرأةٍ تعلّمت أنّ بعض الوجع يُحمل بصمت، ولا يُروى،
وأنّ القلب حين يكثر شرخه، يصبح أكثر ميلًا إلى الهدوء.
العينان هنا لا تقولان: “أنا سعيدة”،
ولا تقولان: “أنا حزينة”.
إنّهما تقولان شيئًا أكثر إنسانيّة وتعقيدًا:
“لقد مررتُ بالكثير… وما زلتُ أحاول أن أبقى لطيفة مع الحياة.”
في الزاوية المرتجفة من الابتسامة،
ثمّة امرأة تحاول أن تبدو بخير،
لكنّ العينين لا تتقنان التمثيل طويلًا.
العينان تعترفان بما تخفيه الشفتان:
بخيباتٍ قديمة،
بأشخاصٍ عبروا القلب وتركوا فيه فراغات الرغبة،
بليالٍ طويلة كانت الروح فيها تنادم نفسها كي لا تنهار.
كأنّ النظرة تقول:
“تعبتُ من شرح نفسي،
تعبتُ من ادّعاء القوّة،
تعبتُ من الركض خلف الذين لا يرون القلب حين يتألّم.”
ومع ذلك…
لا قسوة في الوجه.
وهنا يكمن الجمال الحقيقي.
فبعض البشر حين يتعبون يتحوّلون إلى صخر،
أمّا هذه الملامح، فما زال فيها دفءٌ خافت، وإن حملت صخرة النداء.
وما زال في العينين مكانٌ صغير للحنان.
إنّها نظرة امرأة جعلتها الحياة أكثر صمتًا فقط.
أكثر تأمّلًا،
أكثر حذرًا في الحب،
وأكثر فهمًا لهشاشة البشر.
حتى الطبيعة خلفها تبدو كأنّها تشاركها هذا الصمت الأخضر.
كأنّ العشب يعرف ما لا يُقال،
وكأنّ الهواء يربّت على روحٍ متعبة .
العينان تنظران إلى عمرٍ كامل مرّ في الداخل.
ولهذا تبدو النظرة عميقة إلى هذا الحد؛
لأنّها نظرة روحٍ نجت من نفسها مرّات كثيرة.
وهكذا تصبح الصورة اعترافًا صامتًا بأنّ الإنسان قد يبتسم،
قد يهدأ،
قد يبدو قويًّا،
لكنّ عينيه وحدهما تعترفان بالحقيقة كاملة.
عيناك، صديقتي، بلون الغرق، والرجاء.
ردّي كلامهما عنّا…إننا بشر

د. جوزاف ياغي الجميل
