رواية « سنوات المَغَر » للكاتبة الامارتية مريم الزرعوني ، الصادرة عن مركز ابو ظبي للغة العربية ٢٠٢٥ ، والواقعة بـ ٢٢٣ صفحة من القطع المتوسط ، جاءت على عدة محاور أهمها ؛ « الهوية المعلقة » ، والتحولات الاجتماعية والمعيشية في دول الخليج العربي ، والاغتراب دون مغادرة المكان ، وأزمة الوثائق الرسمية ، وتختصر الرواية بأن « الانسان لا يكتفي أن يعيش دون اعتراف الآخرين به .. »
إذا قرأنا سنوات المغر من زاوية الهوية والوثيقة والاغتراب ، فإننا نكون أمام رواية تتجاوز الحكاية الفردية إلى سؤال إنساني وفلسفي بالغ العمق : هل الإنسان هو ما يحمله من أوراق ، أم ما يحمله من ذاكرة؟ ..
الرواية، في جوهرها ، لا تبدو منشغلة بمشكلة قانونية أو إدارية بقدر انشغالها بالمسافة الفاصلة بين وجود الإنسان الحقيقي ووجوده الرسمي ، فبطل الرواية « غريب » لا يعاني فقط من نقص في وثيقة أو إشكال في إثبات هوية، بقدر ما يعاني من سؤال أعمق : ماذا يبقى من الإنسان حين لا تعترف به المؤسسات التي تنظم حياة البشر؟ ..
هنا تتحول الوثيقة من ورقة رسمية إلى رمز فلسفي ؛ إنها تمثل سلطة العصر الحديث في تعريف الإنسان ، ففي الأزمنة القديمة كان المرء يُعرف بأبيه وقبيلته وبلدته وسمعته بين الناس ، أما في الدولة الحديثة فقد أصبحت الوثيقة هي الشاهد الأكبر على الوجود ، ومن هنا تنشأ المأساة ؛ إذ يصبح الإنسان حاضراً في الواقع ، غائباً في السجلات .
تكمن براعة الرواية في أنها لا تجعل الاغتراب ناتجاً عن السفر أو الابتعاد عن الوطن ، بل تجعل الاغتراب يحدث داخل الوطن نفسه فـ « غريب » ليس غريباً لأنه جاء من مكان آخر ، لكنه لم يعد قادراً على الإمساك بموقعه داخل المكان الذي وُلد فيه ، وهذه من أقسى صور الاغتراب ؛ أن يشعر المرء أنه ابن البيت ، لكن البيت لم يعد يعرفه .
من هذه الزاوية ، تقترب الرواية من مفهوم « الهوية المعلقة » ؛ فالهوية هنا ليست معطى ثابتاً ، بل حالة قلق دائم ؛ الإنسان يعرف نفسه ، وأهله يعرفونه ، وذاكرته تعرفه ، لكن النظام الإداري أو القانوني قد يضعه في منطقة رمادية بين الوجود والعدم ، وهنا يبرز السؤال الذي يتردد في خلفية النص : أيهما أصدق ، ذاكرة البشر أم أرشيف الدولة؟ ..
كما أن اختيار اسم البطل « غريب » ليس اختياراً عبثياً ، فالاسم يبدو وكأنه مفتاح تأويلي للرواية كلها ؛ فالغربة هنا ليست وصفاً لشخص، بل حالة وجودية. الإنسان قد يصبح غريباً في أرضه ، وغريباً في تاريخه ، وغريباً حتى في صورته التي يراها في المرآة حين تتصدع علاقته بالاعتراف الاجتماعي والقانوني .
من الناحية الرمزية ؛ تبدو الذاكرة في الرواية قوة مضادة للوثيقة ، فإذا كانت الوثيقة تقول : « أنت موجود لأنني أثبت ذلك » ، فإن الذاكرة تقول : « أنت موجود لأنك عشت وتألمت وأحببت وحملت أثرك في العالم » ؛ ولهذا تبدو الرواية وكأنها مواجهة بين سرديتين : سردية الورق ، وسردية الإنسان .
أما « المَغَر » في العنوان ، فيمكن قراءته بوصفه رمزاً للجذور الأولى ، فالمَغَر مادة من الأرض ، والأرض هي الأصل الذي يعود إليه الإنسان حين تتشظى التعريفات الأخرى ، وكأن الكاتبة تقول إن الهوية الحقيقية لا تبدأ من الختم الرسمي ، بقدر ما تكون من الطين الأول الذي تشكلت منه الحكاية .
لهذا لا أرى أن الرواية تتحدث فقط عن فئة اجتماعية أو حالة تاريخية بعينها في الخليج العربي ، لكنها تتحدث عن مأزق الإنسان الحديث عموماً ، ذلك الإنسان الذي يعيش في عصر أصبحت فيه المؤسسات قادرة على تنظيم وجوده ، لكنها ليست دائماً قادرة على فهم إنسانيته .
وفي النهاية، تترك الرواية قارئها أمام مفارقة موجعة : قد يحمل الإنسان كل ذكرياته ، وكل محبة الناس له ، وكل شواهد حياته ، ثم يكتشف أن معركته الكبرى ليست لإثبات من يكون ، إنما لإقناع الورقة بأنه موجود ، وهذه هي المأساة التي تجعل « سنوات المغر » رواية عن الهوية بقدر ما هي رواية عن الكرامة الإنسانية ؛ فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش ، بل يحتاج أيضاً إلى أن يُعترف بوجوده .

( عماد عواودة ، ابو حازم
الثلاثاء ٠٢ حزيران ٢٠٢٦ ، قميم / الاردن )

ما شاء على السرد القصصي للحالة النفسية والاجتماعية قبل الحالة السياسية والتي هي أوراق وأوراق