هناك حياة لا نعيشها… لكنها لا ترحل.
تبقى فينا كاحتمالٍ مفتوح، كفكرة لم تكتمل، وكصوتٍ خافت يقول: “كان يمكن…” دون أن نعيشها.
أشياء لا نملك لها ذكرى، ولا نستطيع أن نرويها، ومع ذلك… نشعر بثقلها فينا كأنها حدثت بالكامل. نظنّ أننا نعيش حياتنا كما حدثت، لكننا — في مكانٍ خفي — نعيش أيضًا حيواتٍ أخرى لم نمنحها فرصة أن تبدأ.
نظنّ أن قراراتنا تنتهي عند لحظة الاختيار، وأن الطريق الذي لم نسلكه… قد اختفى.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.
فالطرق التي لم نخترها لا تموت… بل تتحوّل إلى ظلال داخلنا، تعيش بصمت، وتظهر في لحظات غير متوقعة.
في شعورٍ غامض بالحنين، في انجذابٍ لا نفهم سببه،
أو في ارتباكٍ خفيف أمام حياة لا تشبهنا تمامًا.
ليست المشكلة في أننا أخطأنا الاختيار، بل في أننا… اخترنا.
فالاختيار، في جوهره، ليس فقط أن نأخذ طريقًا، بل أن نتخلّى عن طرقٍ أخرى.
وكل طريق لم نأخذه، لم ينتهِ… بل بقي عالقاً فينا، بصورةٍ ما.
نحن لا نحمل فقط ما مررنا به… بل ما اقترب منّا ثم ابتعد،
وما فكّرنا به ثم تراجعنا، وما كان ممكنًا… ثم لم يكن.
نحمل نسخًا أخرى منّا، عاشت في احتمالات مختلفة، في قرارات لم نتخذها، في لحظات تراجعنا فيها، أو تأخرنا، أو خفنا.
وهذه النسخ… لا تختفي.
لا تذوب، ولا تنتهي، ولا تُمحى بمرور الوقت.
بل تبقى… بطريقتها الخاصة.
تظهر أحيانًا كإحساسٍ مباغت، كأننا نشتاق لشيء لم نعرفه،
أو نتحسّر على طريق لم نرَه، لكننا نشعر أنه كان سيقودنا إلى مكانٍ مختلف.
تظهر في لحظة صمت، في قرارٍ عادي، في انجذابٍ غير مفهوم، أو في رفضٍ لا نعرف سببه.
كأن هناك داخلنا من يتذكّر… ما لم يحدث.
هل كان ذلك المسار أفضل؟ لا أحد يعرف.
لكن ما نعرفه… أن جزءًا منّا ما زال يقف هناك،
في تلك اللحظة التي لم نكملها،
في ذلك القرار الذي لم نتخذه،
في تلك الخطوة التي كانت ممكنة… لكننا لم نأخذها.
نحن لا نندم دائمًا على ما حدث، بل على ما لم يحدث.
على الكلمات التي لم نقلها، على الخطوة التي لم نأخذها، وعلى الباب الذي لم نطرقه.
قد لا نكون متأكدين أنها كانت ستغيّر كل شيء،
لأننا لم نعرف أبدًا… ماذا كان يمكن أن تكون.
ولهذا تبقى… لا كذكرى، بل كاحتمال.
والاحتمال، أقسى من الحقيقة أحيانًا.
لأن الحقيقة تُغلق، أما الاحتمال… فيبقى مفتوحًا.
في داخل كل إنسان، هناك حياة أخرى لم تُعش.
قد لا تكون أفضل بالضرورة، وليست أسوأ…
لكنها مختلفة.
وهذا الاختلاف وحده كافٍ ليجعلها تعيش فينا.
ربما لا نحتاج أن نعرف ماذا كان سيحدث،
ولا أن نعيد التفكير في كل طريق لم نسلكه.
لكن ربما… نحتاج أن نتوقف قليلًا،
ربما لنعترف أننا — في لحظةٍ ما — كنّا قادرين أن نكون شيئًا آخر.
نحتاج أن نتصالح مع فكرة أننا لن نكون كل شيء.
وأن كل اختيار، هو خسارة أيضًا.
خسارة هادئة، لا ننتبه لها حينها، لكننا نشعر بها لاحقًا، كفراغٍ صغير لا نعرف مصدره.
فراغ… لا يمثل شيئًا انتهى،
بل شيئًا لم يُكتب له أن يبدأ.
ومع ذلك… نستمر.
رغم أننا قد لا نكون تجاوزنا، لكننا تعلّمنا أن نحمل ما لم يحدث، كما نحمل ما حدث.
أن نعيش حياتنا، دون أن نُطفئ تلك الظلال، ودون أن نسمح لها أن تعيقنا.
أن نمضي، دون أن ننكر أن الطرق الأخرى لم تختفِ،
لكننا — في وعينا — ندرك أننا اخترنا هذا الطريق… وقبلنا ثمنه.
فبعض الطرق، لم تُخلق لنمشيها…
لكنها تقودنا لنفهم أنفسنا من خلالها.
وتظلّ الطرق التي لم نسلكها… عالقة،
تمشي فينا بصمت…
كأنّ ظلّها لا يزال… لا يغادرنا.
