“الزمن الجميل”… هل كان جميلاً حقًا؟ (34)
الشعارات الكبرى… والحصاد البائس…
حين تَغنّى الناس بما لم يرَوه، ومضوا خلف سراب…!!
في “الزمن الجميل”، لم تكن الشعارات مجرد كلمات، بل كانت أناشيد تُتلى صباحًا، وخطبًا تتردد في الساحات، ولافتات ضخمة تتدلى من الشرفات. كنا نحفظها كما نحفظ أسماءنا، ونهتف بها في الطوابير، ونزين بها دفاتر المدرسة. لكن حين جاءت ساعة الحقيقة، لم نجد إلا شظايا تلك الكلمات، وأصداءً بعيدة تتردد في فراغٍ لا يسكنه غير الخذلان.
-الأمة الواحدة… والجغرافيا المتشققة
“أمة عربية واحدة… ذات رسالة خالدة”، هكذا قالوا، وهكذا رددنا ونحن أطفال في طابور المدرسة. لكن على الأرض كانت الحدود تزداد صلابة، وكان كل بلد يتوجس من جاره أكثر مما يتوجس من خصومه، وكلما ارتفعت نبرة الخطاب، انخفض منسوب الثقة، حتى تحول الحلم الكبير إلى فسيفساء متجاورة، لا يجمع بينها سوى الشعار.
– الحرية… تحت المراقبة:
كان الحديث عن الحرية حاضرًا في كل مناسبة، لكن من حاول أن يكتب رأيًا مختلفًا، أو يقف في غير الصف المرسوم، كان يجد نفسه في الهامش أو خلف الأبواب المغلقة. كانت الكتب تُمنع، والأفواه تُكمم، والقلوب تتوجس، حتى غدت كلمة “الحرية” أشبه بنشيد محفوظ، يُردَّد كثيرًا ويُمارَس قليلًا.
-العدالة الاجتماعية… ولكن في الخطب فقط:
رُفعت رايات الاشتراكية والمساواة، ووُعد الفقراء بالإنصاف، والعمال بحياة كريمة. لكن الواقع كان يسير في طريق آخر، فالفساد يكبر في الظل، والمحسوبيات تفتح الأبواب المغلقة، وصار القريب من النفوذ، أكثر حظًا من القريب إلى الكفاءة، وكأن العدالة نفسها موظفة تنتظر التعليمات قبل أن تتحرك.
-الوحدة الاقتصادية… وأسواق الجوار المغلقة:
تحدثوا كثيرًا عن التكامل الاقتصادي، وعن سوق عربية تمتد من المحيط إلى الخليج، لكن البضائع كانت تتعثر عند الحدود، والإجراءات كانت أطول من الطرق نفسها، فبدا الحلم كقافلة ضخمة تائهة في الصحراء، ترفع راية الوصول… ولا تصل.
-العلم… بين الشعارات والواقع:
قيل إن المستقبل للعلم والمعرفة، ورُفعت صور العلماء والمختبرات، في الخطب والمنشورات، لكن المدارس كانت تزدحم أكثر مما تُعلم، والمكتبات تكبر رفوفها أكثر مما يكبر قراؤها، حتى صار العلم -في بعض الأحيان- ضيفًا يُستدعى إلى الاحتفالات، ثم يُترك وحيدًا بعد انفضاض الحشود.
-التضحية الكبرى… والمواطن المنسي:
كان المواطن يُطلب منه دائمًا أن يصبر، وأن يتحمل المشقة من أجل المعركة القادمة، أو المشروع القادم، أو المستقبل القادم. وكان المستقبل يلوّح من بعيد كسرابٍ أزرق فوق الأفق، بينما يظل الحاضر جالسًا عند باب البيت، ينتظر دوره الذي لا يأتي.
-مقارنة مع اليوم:
اليوم تغيّرت الشعارات، وتبدلت الأسماء والألوان، لكن اللعبة في كثير من الأحيان ما تزال تشبه نفسها. كلمات كبيرة تُقال في المؤتمرات، وعناوين عريضة تملأ الشاشات، بينما يزداد الناس بحثًا عن الدليل لا عن الخطابة، وعن الإنجاز لا عن الوعد، فجيل اليوم أقل استعدادًا للتصفيق، وأكثر ميلًا إلى السؤال.
-خاتمة:
كان الزمن الجميل غنيًا بالشعارات، لكنه فقير بالنتائج. وكانت الكلمات تُزرع في العقول كحقولٍ واعدة، لكن موسم الحصاد لم يُثمر سوى سنابل فارغة، تحركها الريح. ولعل أكبر الهزائم لم تكن هزيمةً في الميدان، ولا تعثرًا في مشروع أو خطة، بل كانت تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان: أنه ظل يهتف طويلًا، بينما كانت الحقيقة تسير في اتجاهٍ آخر.!

الكاتب مروان صالح
