“الزمن الجميل”…هل كان جميلا حقا؟ (40)

مروان ناصح
في ذلك الزمن، كانت الثقافة ترتدي أفخر ثيابها في المناسبات الرسمية، وتمشي على السجاجيد الحمراء، بينما كانت الحرية تمشي حافية في الأزقة الخلفية. مهرجانات، ندوات، أسابيع ثقافية، جوائز براقة، وخطب رنانة…كل شيء يبدو أنيقًا تحت الأضواء، لكن خلف الستائر كانت الكلمة تُفتَّش، والرأي يُوزن بميزان الولاء، والمثقف يسير فوق خيط رفيع بين التصفيق والعقاب. فالثقافة، كما أرادتها السلطة، لم تكن شجرة تنمو بحرية، بل باقة زهور تُرتَّب بعناية على طاولة الحاكم.
-المهرجان… مسرح بديكور ثقافي:
لم تكن المهرجانات الثقافية سوى مسرح واسع، تُضاء فيه المصابيح أكثر مما تُضاء العقول. كانت القاعات تمتلئ بالشعراء والخطباء، لكن الكلمات التي يُسمح لها بالطيران كانت قليلة، أما الكلمات الحقة أو المزعجة فكانت تُقصّ أجنحتها، قبل أن تغادر أفواه أصحابها. وكان التصفيق يرتفع في القاعة كأنه موجة بحر، لكنه في كثير من الأحيان كان يشبه مطرًا مصنوعًا؛ لا يروي أرضًا ولا ينبت فكرة.
-دعوات مشروطة… ومقاعد مراقبة:
لم يكن يُدعى إلى تلك الاحتفالات كل صاحب موهبة، بل كل صاحب سيرة مطمئنة سياسيًا.كان اسم الأديب يُفحص كما تُفحص الحقائب في المطارات؛ فإن عُثر في تاريخه على قصيدة مشاغبة، أو رأي خارج السرب، أُغلق الباب في وجهه بأدب بارد. وهكذا صار بعض المبدعين يقفون خارج القاعات المزينة، لكنهم كانوا أكثر حضورًا من الذين جلسوا في الصفوف الأولى.
-الجوائز… تيجان من ورق مذهّب:
كانت بعض الجوائز تُمنح لمن أتقنوا فن السير بين الألغام، لا لمن أشعلوا نار الإبداع. وكان الفائز أحيانًا يعرف النتيجة قبل إعلانها، فيأتي إلى المنصة مبتسمًا، كأنما جاء ليؤدي دورًا كُتب له مسبقًا.
أما الشعر الحقيقي، فكان يجلس وحيدًا في آخر القاعة، ينظر إلى المنصة بحزن، ويهمس: “كم من قصيدة عظيمة ماتت لأنها لا تجِيد فن الانحناء!”
-المبدع… زينة المشهد:
صار بعض الأدباء أشبه بالثريات المعلقة في سقف القاعة؛ يُعجب الناس ببريقها، لكن لا أحد يسألها إن كانت مضاءة حقًا أم لا. تُلتقط لهم الصور، وتُعلَّق الأوسمة على صدورهم، ثم يعودون إلى بيوتهم محملين بشيء من المجد، وكثير من الصمت.
-المثقفون الذين اختاروا الظل:
لكن ثمة مبدعين آثروا الظل على ضوءٍ مزيّف. رفضوا الجوائز، وقاطعوا المنابر، وكتبوا في دفاترهم الصغيرة ما لم يجرؤ الآخرون على كتابته.كانوا مثل ينابيع تختبئ في الصخور؛ لا تراها العيون بسهولة، لكنها تبقى أعذب من كل النوافير المزخرفة في الساحات العامة.
-الجمهور الذي لا تنطلي عليه الحيلة:
أما الجمهور، فقد كان أذكى مما تظن السلطة. كان يصفق في القاعة احترامًا للطقوس، ثم يخرج منها ليقول ساخرًا: “القصائد الليلة كانت جميلة… لكن أجمل ما فيها أنها انتهت!”. وكان يعرف بالفطرة الفرق بين شاعرٍ يكتب بقلبه، وآخر يكتب بوصلةً تشير دائمًا إلى حيث تهب رياح السلطة.
-خاتمة
في “الزمن الجميل”، لم تكن المهرجانات الثقافية ساحاتٍ للثقافة وحدها، بل مرايا تحاول السلطة أن ترى فيها صورتها أكثر مما ترى صورة المجتمع. ومع ذلك، بقيت هناك أصوات عصية على الترويض، تشبه عصافير برية ترفض أن تغني داخل الأقفاص، مهما كانت مطلية بالذهب.
