“الزمن الجميل”… هل كان جميلاً حقًا؟ (33)
حين صارت الهزيمة انتصارًا: زمن تجميل الخسارة
في “الزمن الجميل”، كان الصوت الأعلى هو صوت المذياع، وكانت الصورة الأوضح، صورة الزعيم بعد كل خطابٍ ناري. أما الهزائم، فكانت تُسحب من ميادينها مثقلة بالغبار، ثم تُلمَّع في غرف التحرير حتى تبدو كالأوسمة. وهكذا صرنا نتساءل: هل خسرنا حقًا؟ أم انتصرنا بطريقة لا نفهمها؟
-الإعلام… مسرح النصر المصنوع:
كلما انكسرت الجيوش أو ضاعت الأرض، سارع الإعلام إلى خياطة عناوين جديدة للهزيمة. فالتراجع أصبح “إعادة تموضع”، والخسارة “صمودًا بطوليًا”، وكان الميكروفون أحيانًا أعلى صوتًا من المدفع، لكن الحقيقة كانت تتسرب من بين الكلمات، كالماء من بين الأصابع.
– الجماهير… بين التصفيق والخذلان:
لم يكن الناس أغبياء، بل كانوا يبتلعون مرارة الهزيمة بصمت، يصفقون في العلن، لكن الحقيقة كانت تُروى في المجالس والقصائد المخبأة. وكان السؤال المرير يتردد همسًا: “لقد خسرنا… فلماذا يطالبوننا بالفرح؟”
-التزييف منهج سياسي:
لم يكن الأمر مجرد مبالغة إعلامية، بل سياسة كاملة. أقلام تتعلم المراوغة، وكاميرات تتقن إخفاء الجرح. وكان المواطن يُدعى إلى نسيان ما رأى، وإلى الشك في ذاكرته قبل الشك في الرواية الرسمية.
– الذاكرة التي قاومت النسيان:
ورغم كل شيء، بقيت أصوات خافتة تقاوم. فالشاعر خبّأ الحقيقة في الرمز،
والمسرحي دسّها بين المشاهد، والمواطن البسيط قالها على فنجان قهوة:
“سقطوا… ونحن الذين دفعنا الثمن”.
-المثقف… بين الحقيقة والمنصة:
سار كثير من المثقفين فوق حبلٍ مشدود، بين الضمير والخوف. كانوا يرون السفينة تتسرب إليها المياه، ويُطلب منهم أن يصفوا الرحلة بالناجحة، فصمت بعضهم، ولم يجرؤ على الإشارة إلى الجرح إلا القليل.
-اللغة… حين تفقد أسماء الأشياء:
ولم تُخفَ الهزيمة فحسب، بل أُعيدت تسميتها. فالانكسار صار صمودًا، والخسارة إنجازًا مؤجلًا. وحين تفقد الكلمات معناها، يصبح الواقع كمرآةٍ مغطاة بالبخار؛ نرى الظلال، لكننا نعجز عن رؤية الوجوه.
-مقارنة مع الحاضر:
اليوم ما زالت الهزائم ترتدي الأقنعة، لكن الأقنعة أصبحت أكثر بريقًا. فبعد أن كانت الحقيقة تُحجب خلف المذياع، صارت تُغرق في سيلٍ من الصور والشعارات و”الترندات. “غير أن إخفاء الشمس لم يعد سهلًا كما كان؛ فكل هاتف نافذة، وكل شاهدٍ محتمل مراسل. ولهذا يبدو الجيل الجديد أقل استعدادًا للتصفيق للسراب، وأكثر بحثًا عن الماء الحقيقي.
-خاتمة:
في “الزمن الجميل”، أُقيمت احتفالات النصر فوق أنقاض الهزيمة، لكن الحقيقة وجدت طريقها دائمًا عبر الشقوق. فمن لا يعترف بخسارته، لن يعرف كيف ينتصر. وما بين الصورة المزوّرة والواقع الصامت، ضاعت سنوات من الصدق، وكانت تلك هزيمة أخرى… لكنها لم تُعلَن!! فلنواصل المسير إذن في هذا “المحور الجريء”، حيث تتوارى الحقيقة خلف الرايات، وتتعثر الأحلام تحت وقع الشعارات.

الكاتب مروان ناصح
