
د. أنطوان يزبك
من بين الأمور المهمة في الأسرة وفي تربية الأولاد هو التوازن، بين حضور الأم و حضور الأب على حدّ سواء ومن بين الشروط الأساسية شرط أن يكون دور الأب دورا فعالا و واضحا.
يقول سيغموند فرويد: «لا أستطيع أن أفكر في حاجةٍ في الطفولة أقوى من الحاجة إلى حماية الأب»
كما زاد فرويد أيضا: إن هذه الحاجة تفوق حتى الجوع. ومع ذلك، يغفل عنها معظم الآباء حتى يكون الضرر قد وقع بالفعل. ملاحظة واحدة لسيغموند فرويد، كُتبت قبل ما يقرب من قرن، عادت لتلقى اهتمامًا متجددًا في النقاشات الحالية حول نمو الطفل والأمان العاطفي. هذه العبارة، «لا أستطيع أن أفكر في حاجةٍ في الطفولة أقوى من الحاجة إلى حماية الأب»، وردت في مؤلفه عام 1930 «الحضارة وسخطها»، ولا تزال متداولة في منتديات علم النفس ومجموعات الاقتباسات وموارد تربية الأطفال.
تكمن قوة هذا الاقتباس في تعبيره المباشر عن مفهوم استكشفه علم نفس النمو لاحقًا بشكل واسع. لم يحصر فرويد مفهوم الحماية في الأمان الجسدي فقط، بل أكد في كتاباته أن الأطفال يحتاجون إلى تجربة أعمق من الاحتواء العاطفي والاستقرار كي يتمكنوا من خوض سنواتهم الأولى دون قلق طاغٍ. كانت الحاجة التي أشار إليها هي وجود شخص موثوق يجعل العالم الخارجي يبدو قابلًا للتعامل بدلًا من أن يكون مهددًا.
بالنسبة لفرويد، تمثل الحماية بما هي عليه أساسًا نفسيًا. الطفل الذي يدرك وجود شخص بالغ يمكن الاعتماد عليه يطوّر ما سيُعرف لاحقًا بـ«الثقة الأساسية». هذا الإحساس الداخلي بالأمان يسمح للطفل بالاستكشاف والمجازفة ومواجهة الإحباط دون الشعور بأنه خطر كارثي. ويؤدي الشخص الحامي دورين: الحماية الفعلية أولا، و ثانيا دور تأمين مصدر داخلي للطمأنينة.
عندما درس فرويد تطوّر الطفولة المبكرة، لاحظ أن جودة هذه العلاقة الوقائية تؤثر في كيفية تعامل الأفراد لاحقًا مع العلاقات وتقدير الذات. فالطفل الذي يشعر بالأمان يكتسب قدرة أكبر على تنظيم مشاعره، إذ يبدو له العالم أقل تهديدًا لأن هناك نقطة رجوع ثابتة عند الضيق. هذه التجربة المبكرة تشكّل نموذجًا يحدد كيف سيفسر الإنسان الأمان والخطر طوال حياته.
لا تقتصر الحماية التي تحدث عنها فرويد على لحظة واحدة من التدخل، بل هي توفّر مستمر ومتوقع لمقدم الرعاية. لا يحتاج الطفل إلى حماية مفرطة من كل صعوبة، بل إلى يقين بأن هناك من يحميه ويمكنه اللجوء إليه عند الشعور بالانهيار. هذا الفرق يميّز بين الحماية الخانقة والاحتواء المستقر الذي يدعم النمو الصحي.
لقد أمّن فرويد إطارا للإرث في مؤلفه «الحضارة وسخطها» بحيث ينبع هذا الاقتباس من عمل ركز أساسًا على التوتر بين رغبات الفرد وقيود المجتمع.
كما يناقش في كتاب «الحضارة وسخطها» كيف يتعامل البشر مع متطلبات العيش المشترك و هم يديرون دوافعهم البدائية. وفي هذا السياق، عاد فرويد إلى الطفولة بوصفها المرحلة التي تتشكل فيها الأنماط النفسية لاحقًا.
لم يُقدَّم احتياج الطفل إلى الحماية الأبوية كتفصيل ثانوي، بل كحاجة مركزية تعادل في أهميتها الجوع أو الراحة الجسدية. واعتبر أن غياب هذه الحماية يترك فراغًا قد يظهر لاحقًا في أشكال متعددة من الاضطراب أو صعوبات العلاقات. كما يلخص هذا الاقتباس ملاحظة أساسية حول هشاشة الإنسان في سنواته الأولى.
و وفقًا لفرويد، فإن عدم توفير الحماية الكافية في الطفولة يؤدي إلى آثار طويلة الأمد. لأن الطفل الذي لا يجد مصدرًا موثوقًا للأمان قد يطور قلقًا مرتفعًا وشعورًا دائمًا بالعجز لأنه يعيش بدون موقع أمين في الخارج، فيصبح العالم الداخلي لديه أكثر اضطرابًا وتهديدًا.
وأشار فرويد إلى أن هذه النواقص المبكرة تعود للظهور في مرحلة البلوغ. فقد تكون المخاوف غير المتناسبة مع الواقع الحالي مرتبطة بلحظات طفولة غابت فيها الحماية. كما أن صعوبات بناء علاقات مستقرة قد تعكس خللًا في القدرة على الثقة. حينها لا تتجاوز النفس هذه الفجوات ببساطة، بل تحملها معها، أحيانًا في شكل قلق أو عدم أمان أو سلوك دفاعي.
كما تلعب الحماية دورًا في تعلم الطفل تنظيم مشاعره. فعندما يهدئ مقدم الرعاية الطفل باستمرار، يكتسب الطفل تدريجيًا هذه القدرة داخليًا. أما في غياب هذا الدعم، فقد يواجه صعوبة في تهدئة نفسه، مما يؤدي إلى حساسية عاطفية مفرطة أو صعوبة في التعافي من الإحباطات اليومية.
لم تبقَ ملاحظة فرويد حبيسة الأوساط الأكاديمية، بل تظهر باستمرار في النقاشات حول أساليب التربية والتعليم والصحة النفسية. وتنتشر على منصات علم النفس ، حيث يصنّفها القراء ضمن التحليل النفسي وعلم النفس، كما تظهر وتدفع إلى التأمل في طبيعة الرعاية المبكرة.
تعود أهمية هذا الاقتباس إلى وضوحه، فهو يعبّر عن فكرة عميقة دون مصطلحات معقدة، مما يجعله مفهومًا للجميع، بينما يدرك المختصّون توافقه مع أبحاث حديثة حول التعلق والأمان العاطفي. لقد صمد هذا القول أمام تغيّر النظريّات لأنه يلامس جانبًا إنسانيًا عالميًا في تجربة الطفولة.
كما يعكس الاهتمام المستمر به رغبة المجتمع في فهم تأثير الطفولة على حياة البالغين.
العلم في تطور دائم وخاصة في ميدان فهم السلوك البشري كما يسعى الآباء والمعلمون والمتخصصون إلى أطر تفتح أمامهم أبواب تفسير التطور العاطفي، ورغم مراجعة الكثير من أفكار فرويد، فإن هذه الفكرة تحديدًا لا تزال متوافقة مع نتائج العلم الحديث بعد قرن من الزمان .
