
مارلين كنعان
يقترح شربل داغر فهماً للصورة باعتبارها فعلاً رمزياً كثيف الدلالات، وممارسة تتشابك فيها اعتبارات السلطة والعقيدة، وتبرز عبرها الأبعاد الفنية والجمالية، ومنذ الصفحات الأولى يعلن داغر، وهو الشاعر والناقد والباحث الأكاديمي، أن رهانه الأساس يتمثل في تفكيك ما بات يُعرف بـ “مسألة الصورة”، أي ذلك الحقل الإشكالي الذي تقاطعت فيه اللاهوتيات الدينية مع السياسات الإمبراطورية، وتداخلت فيه المعتقدات مع حاجات الحكم والتمثيل.
ومن هذا المنطلق لا ينظر الكاتب إلى الأيقونة أو الخط أو اللوحة الزيتية كأنماط فنية منفصلة وقائمة بذاتها، بل كتعبيرات متداخلة ومتحولة عن علاقة الإنسان بالمقدس والسلطة معاً.
ينطلق الكتاب من مساءلة فرضية شائعة في الدراسات الفنية والتاريخية، مفادها أن الإسلام مثل قطيعة جذرية مع تقاليد التصوير المسيحي بعامة والبيزنطي بخاصة، مبيناً أن هذه الفرضية لا تصمد أمام الدرس التاريخي الدقيق للشواهد المادية الأولى التي رافقت قيام الدولة الإسلامية، فالصورة، بحسب أطروحة الكتاب، لم تُلغ دفعة واحدة بل أعيدت صياغتها وإدارتها ضمن شروط جديدة فرضتها الدولة الناشئة، وهنا يبرز سؤال جوهري: هل كان “تحريم الصورة” نابعاً من عقيدة دينية ثابتة، أم أنه تشكل تدريجياً كخطاب يخدم حاجات سياسية وتوحيدية؟

الكتاب البحثي (دار خطوط وظلال)
يميل الكتاب بوضوح إلى الاحتمال الثاني معتبراً أن النصوص الفقهية واللاهوتية التي أُنتجت لاحقاً جاءت لتبرر ممارسات استقرت بالفعل على أرض الواقع، ذلك أن أطروحة الدارس الأساس تدافع عن فكرة أن الصورة في التاريخين المسيحي والإسلامي ليست مسألة دينية بحتة، بل هي ظاهرة سياسية دينية تخضع لمنطق السلطة والشرعية، وأن ما يُعرف بـ “تحريم الصورة” تشكل تاريخياً كخطاب سلطوي أكثر منه كحكم عقائدي ثابت. وبصياغة أكثر تركيزاً يذهب داغر حد القول إن الصورة لم تختفِ مع قيام الإسلام، بل استمر حضورها بأشكال عدة، كأيقونات أو صور على النقود أو جداريات أو زخارف، ثم أُعيد تنظيمها وضبطها تدريجاً وفق حاجات الدولة والتمثيل السياسي.
ولعله يضيف أن التحول من الصورة إلى النص أو الخط لم يكن نتيجة موقف ديني فوري قاطع بقدر ما كان نتيجة قرار تاريخي سياسي هدف إلى توحيد الخطاب الرمزي للسلطة، مثلما تجلى ذلك بوضوح في إصلاحات عبدالملك بن مروان النقدية.
مرحلة التحولات
يقع الكتاب في قسمين كبيرين يضم كل منهما أربعة فصول، يركز القسم الأول على المرحلة الممتدة من العهد البيزنطي إلى نهاية العصر الأموي، أي المرحلة التي شهدت أعنف التحولات في أنماط التمثيل البصري. وتعالج فصول هذا القسم مسألة “الصورة” في سياق التحولات الكبرى التي رافقت قيام الدولة الإسلامية من خلال تحليل متشابك لعلاقات الدين بالسياسة والفن. وفيها يفحص المؤلف أوضاع التصوير والأيقونة والزخرفة والخط في المجالات الإسلامية والمسيحية المتجاورة، ويبين كيف تشكلت سياسات الصورة في ظل الفتح الإسلامي، ويدرس تجلياتها المختلفة في النقود والعمارة والكنائس والمساجد والقصور، وانتقالها تدريجياً إلى الخط والزخرفة، متوقفاً أمام دور السلطة السياسية في إدارة الصورة وتوظيفها أو تهميشها.
ويخلص هذا القسم إلى أن مسألة الصورة لم تكن شأناً دينياً محضاً، بل كانت مجالاً صراعياً معقداً تحكمه توازنات سياسية وثقافية أسهمت في رسم ملامح الفنون الإسلامية الباكرة. أما القسم الثاني فيتناول المرحلة العثمانية التي أعيد فيها طرح سؤال الصورة في سياق جديد اتسم بالانفتاح على أوروبا وبظهور اللوحة الزيتية، وعلى الصعيد المنهجي.
يعتمد شربل داغر مقاربة متعددة الحقول تجمع بين تاريخ الفن وعلم الآثار ودراسة المسكوكات النقدية أو علم النُمِيَات واللاهوت السياسي، ويتميز كتابه بإصراره على التعامل مع المواد البصرية نفسها مثل النقود والجداريات والفسيفساء والتصاوير والأيقونات كمصادر أساس للمعرفة لا كمجرد شواهد مكملة للنصوص المكتوبة.
وقد أورد بعضها في ملحق الصور، ولذا يحتل درس النقود المعدنية موقعاً مهماً في الكتاب ويكاد يشكل أحد أعمدته النظرية، فالنقود في نظر المؤلف ليست مجرد أدوات تبادل اقتصادي بل أيضاً وثائق سياسية وبصرية مكثفة، تحمل في بنيتها رموز الحكم والعقيدة والهوية. فمن خلال تتبع قطع النقود الساسانية والبيزنطية التي اُستعملت خلال العقود الأولى من الحكم الإسلامي، يبين داغر كيف حافظت الدولة الناشئة في بداياتها على الصور الآدمية والرموز السابقة المنقوشة عليها مع إدخال بعض الإضافات الكتابية بالعربية.
الخطاب الرمزي
ويشدد على أن عهد الخليفة عبدالملك بن مروان شكّل نقطة تحول مفصلية في تاريخ النقود المعدنية التي انتقلت من نموذج تصويري مختلط إلى نموذج كتابي، معتمداً حصراً على الآيات القرآنية، لكن هذا التحول في نظره لم يشكل انتصاراً عقائدياً نهائياً على الصورة وإنما عبّر عن قرار سياسي هدف إلى توحيد الخطاب الرمزي للدولة وتعزيز شرعيتها في مواجهة خصومها الداخليين والخارجيين.

الشاعر والباحث شربل داغر (دار خطوط وظلال)
يتناول الكتاب كذلك مسألة “حرب الأيقونات”، أي ضرورة تحطيمها أو إكرامها التي دارت في الإمبراطورية البيزنطية خلال القرنين الثامن والتاسع للميلاد من زاوية نقدية، متحفظاً على التفسيرات التي تردها حصراً إلى أسباب لاهوتية. ولئن اختلف الباحثون في أسباب هذا النزاع فرأى بعضهم أن أسبابها دينية وغيرهم رآها سياسية، فإن داغر يربط هذه الظاهرة بالسياق السياسي والعسكري الذي فرضه صعود الدولة الإسلامية، مشدداً على أن الصراعات حول الأيقونة في المسيحية البيزنطية لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والعسكري للصراع مع الإسلام، مما يعني أن العداء للصورة كان هو الآخر جزءاً من صراع على الشرعية والتمثيل، لا مجرد خلاف لاهوتي محض.
ووفق هذا المنظور يفسر داغر تشدد الموقف من الأيقونات في بيزنطية كسعي إلى إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمقدس في مواجهة نموذج إسلامي منافس. ويتطرق كذلك إلى مسألة “هيئات المسيح” كما تبدت في التصاوير المسيحية القديمة، طارحاً سؤال إمكان الحديث عن صورة النبي العربي، ومشيراً إلى الكشف عن أعمال فنية تمثله تعود للقرن الـ 13 تحديداً، فضلاً عن ظهوره في مخطوطات في طلة خصوصية محاطاً بهالة من نار، أو بلحية أو من دونها، أو ظهوره في مخطوطات تعود للقرن الـ 15 وبعده، نقع فيها على تصاوير له بوجه مغطى أو بوجه من دون رسم. أو يجري التدليل على حضوره من خلال رموز دالة مثل هالات النار أو آثار الأقدام وسواها.
وفي المقابل يبين الكتاب أن المجتمعات المسيحية التي عاشت داخل المجال الإسلامي لم تتخل عن الأيقونة بل واصلت إنتاجها ضمن شروط جديدة، مما دلّ على أن العلاقة بين الإسلام والصورة كانت أكثر تعقيداً مما يوحي به خطاب المنع المطلق.
يقارب الكتاب أيضاً مسألة الخط العربي والزخرفة، وعوضاً من اعتبارهما بديلين عن الصورة المحرمة يقترح فهمهما كتحول في مفهوم التمثيل نفسه داخل الثقافة الإسلامية، مؤكداً أن الخط بما يحمله من طاقة بصرية لا يلغي الصورة بل لعله يعيد تشكيلها في أفق رمزي مختلف، إذ تستمر ولكن بصيغة أخرى، منتقداً في الوقت عينه الخطاب الذي يجعل من الخط “جوهر الفن الإسلامي”، مشدداً على أن هذا التصور هو بناء أيديولوجي حديث نتج من الرغبة في تمييز الفن الإسلامي عن نظيره الأوروبي، أكثر مما هو توصيف دقيق للتاريخ.
العالم العثماني
هذا في القسم الأول، أما في القسم الثاني من الكتاب فينتقل داغر إلى درس دخول اللوحة الزيتية إلى العالم العثماني، وفيه يطرح سؤالاً حاسماً: هل مثّل هذا الدخول قطيعة مع تقاليد سابقة أم أنه جاء امتداداً لمسار طويل من التفاعل مع الصورة؟ ويخلص هذا القسم إلى القول إن اعتماد اللوحة الزيتية، ولا سيما في تصوير السلاطين، كان استجابة لحاجات سياسية وتمثيلية جديدة فرضها تغير موقع الدولة العثمانية في النظام الدولي الجديد، بمعنى أن العلاقة مع الصورة لم تنقطع في السلطنة العثمانية بل أعيد تشكيلها كلما تغيرت شروط السلطة وموقعها في العالم. ويتوقف الكتاب عند تفاعل الأيقونة المسيحية مع هذا التحول مبرزاً أشكال التأثر المتبادل بين التقاليد الشرقية والغربية، في سياق لم يكن يخلو من التوتر والصراع.
ومن الفصل الخامس وحتى الفصل الثامن من الكتاب يتتبع المؤلف مسار التحول التاريخي والجمالي من الأيقونة الدينية إلى اللوحة الفنية كبناء تشكيلي مستقل ضمن سياقات ثقافية وسياسية متغيرة، فيركز الفصل الخامس على الأيقونة القبطية في مصر بعد الفتح الإسلامي، محللاً شروط إنتاجها المادي، مثل التعليق على الجدران والنسيج والطابع الشعبي، وتشكّل أجهزة دينية جديدة مع إبراز عودة الأيقونة وانتعاشها خلال الحقبة العثمانية وتحولها إلى صور معلقة.
أما الفصل السادس فيعرض لظهور المصور وبدايات اكتشاف الفن الديني المشرقي وبروز أيقونات عربية ومشهدية السرد، في توازن بين الرمزي والواقعي يمهد لظهور اللوحة والفنان بوصفهما فاعلين تاريخيين، وفي الفصل السابع يناقش فترة ما بعد الأيقونة، أي الصراع على الماضي، وتعدد الفنون المتوافرة وتحول الفن من طقس إلى هدية، مع تتبع باكر للتصوير الماروني الواقع على تخوم الأيقونة واللوحة وحدود الفن والمعتقد.
ويختم الفصل الثامن بتحليل الانتقال من الطقس الديني إلى البناء التشكيلي عبر تعريب الأيقونة وتحولها إلى رموز وتموضع الديني في المجال المحلي، متوقفاً عند تجربة اللبناني صليبا الدويهي كنموذج للتوتر الخلّاق بين الديني والمدني وبين المحلي والعالمي.
تتمثل القيمة الأساس لهذا الكتاب في كسره للثنائيات الصلبة التي حكمت درس الصورة طويلاً، وفي تقديمه قراءة تاريخية تُعيد الاعتبار لتعقيد الظواهر البصرية، وكذلك يوفر نموذجاً بحثياً غنياً يمكن الإفادة منه في دراسات لاحقة حول علاقة الفن والدين والسياسة، ويذكر في هذا السياق أن كثافة المادة وتشعب الأسئلة قد يجعلان الكتاب متطلباً للقارئ غير المتخصص، وأيضاً فإن وفرة الاحتمالات والفرضيات التي يطرحها المؤلف من دون حسم نهائي قد تُقرأ أحياناً بوصفها تردداً، وإن كانت في الواقع تعكس وعياً نقدياً بطبيعة الموضوع.
ختاماً فإن كتاب “الأيقونة، وأقلام الخط، واللوحة، الصورة بين الدين والسياسة” يقدم قراءة تحليلية معمقة لتاريخ الصورة باعتباره ساحة توتر دائم بين الديني والسياسي، مبيناً أن درس الصورة في السياقين الإسلامي والمسيحي تكشف عن مسار تنظيمها وضبطها، أي عن تشكل سياسة بصرية عند تقاطع العقيدة والسلطة، ولئن كان الكتاب لا يدعي تقديم أجوبة حاسمة وبلوغ خلاصات نهائية، فإنه يفتح أفقاً مغايراً للتفكير في فن التصوير خارج ثنائيات التحريم والإباحة، وفي صلته المركّبة بالسلطة وإنتاج المعنى، مما يجعله إضافة نوعية إلى المكتبة العربية في حقل دراسات الصورة وتاريخ الفن.
المصدر: “إندبندنت عربية”
