
د. أنطوان يزبك
في طفولتي كنت أسمع والدتي تردد دائما هذا المثل الشعبي: “من حسب لعشاه قبل غداه يكون من القوم الكفّار ! “، و كانت تنسب هذا القول لجدتي، والدة أمي التي كانت جعبتها لا تنضب من الأمثال الملائمة لكلّ ظرف ولكلّ مسألة، فتأتي في مكانها، على طريقة : “لكل مقام مقال “.
وعلى ما يبدو كما هو متداول وكما كان يعتقد الأسْلاف في معتقداتهم الإمانيّة؛ أن من يفكر بالغد وهو في غاية الشوق ليعرف ما سيكون عليه حظّه و مصيره أو ما ستؤول إليه الظروف والأحداث، يكون في نظر الأديان والأعراف والطبع السليم، و كأنّه يمارس نوعا من الكفر و فقدان الإيمان بالله و رحمته الكبيرة و عنايته و توكيله !
في حقيقة الأمر نعلم يقينا أن الإنسان في طبيعته النفسيّة، إن كان في وعيه أو لا وعيه، هو دائم التساؤل عن ما تخفيه له الأقدار وما ينتظره في المستقبل .
يعيش الفرد في قلق وجودي من الذي سيحصل معه كما تنتابه رغبة شديدة ملحاحة في معرفة الغيب وكشف أسراره ، هذا يشكّل جزءًا مهما من شخصية الإنسان وهو أمر طبيعي .
هذا الشعور القوي والنزعة التي لا تقاوم ، دفعا بالنّاس من جميع الفئات والطبقات إلى البحث عن أجوبة لدى البصّارين والمنجّمين، خاصة الملوك و رجال السياسة الذين يخافون على حكمهم و ممالكهم من السقوط والإنهيار !.
لا أقول أن معرفة الغيب وما يخفيه المستقبل هو أمر شائن، مستهجن وغير مستحبّ، ففي رواية أجاثا كريستي الشهيرة [ 10 هنود صغار ] التي نقلت إلى الشاشة الصغيرة اللبنانية في سبعينات القرن الماضي في مسلسل [10 عبيد صغار ] يُقتل كل يوم بالتتابع واحدً من نزلاء الجزيرة المعزولة و الملعونة، فيدخل الناجون في حالة هلع ويتمنّون لو أن ثمّة قوّة ماورائية تفضح القاتل لينجو ما تبقى من هؤلاء البائسين الهلعين المعذّبين الذين وقعوا ضحايا القدر الغاشم والنصيب المشؤوم!
شهد التاريخ عشرات المنجّمين المختلفين حسب العصر والمنطقة، وكان هناك في العالم العربي في القرن الماضي عرّاف اشتهر كثيرا يدعى الألّوسي ولقبه” الأحدب المعجزة ” و لا ريب أنّه الآن قد انتقل من هذه الحياة وصار في دنيا الرحمن .. كذلك اشتهرت في فرنسا مدام سولاي madame soleil و ذاع صيتها (كبصّارة برّاجة تكشف البخت ) مقربة من مشاهير العالم ،كان من أبرز زبائنها رؤوساء الجمهوريات و زعماء العالم الكبار، من مثل فرنسوا ميتران وجاك شيراك و ملوك و أمراء الخليج و مروحة واسعة من المليارديرات والأثرياء، ومشاهير الفن والتمثيل والغناء من نجوم الطرب و موسيقى البوب الغربيّة.
لا يمكننا في هذه هذه العجالة أن نذكر كل من اشتهر في عالم التنجيم ولكن سنذكر بعض الأسماء في التاريخ الماضي والحديث:
بداية نذكر بطليموس وهو فلكيّ ومنجّم يوناني من القرن الثاني ميلادي. اشتهر كتابه (تيترابيبلوس) الذي كان مرجعا في التنجيم الغربي لـمدّة طولية تربو على 1000 سنة. كما أشتهر أبو معشر البلخي وهو منجّم عربي فارسي من القرن التاسع ميلادي أثّر كثيرا على أوروبا والعرب تُرجمت مؤلّفاته إلى اللغة اللاتينيّة.
أما أشهر منجم فرنسي على الإطلاق فكان ميشال دو نوتردام أي “نوسترداموس ” الذي عاش في القرن السادس عشر ميلادي، اشتهر برباعيّاته النبؤيّة الغامضة بيد أنها تحمل الكثير من المدلولات التي ترتبط بالأحداث المعاصرة فهو تنبأ بحروب نابليون بونابرت و هتلر و الحرب العالمية الثانية وشبه الطائرات القاذفة للقنابل بالطيور المعدنية !
هذا كان في الماضي وماذا عن المنجّمين المعاصرين :
منذ القرن الماضي وحتى يومنا هذا اشتُهر مئات المنجّمين نذكر منهم : الأمريكية ليندا غودمان و كتابها (علامات الشمس Sun Signs ) الذي نُشر في ستينات القرن الماضي وجعل من عادة قراءة الأبراج عادة شعبيّة لدى عدد كبير من الناس في كل أقطار العالم .
في بداية القرن العشرين أيضا اشتهرت في أميركا المنجّمة إفنجيلينا آدامز والتي كانت تستشيرها شخصيات كبيرة ومعروفة في عالم الفن والسياسة و الإقتصاد على غرار مدام سولاي الفرنسية.
في لبنان اتّخذ التّنجيم و معرفة الغيب والتنبؤ بالمستقبل منحى آخر ارتبط بوسائل الإعلام خاصة من خلال الظهور التلفزيوني المتألّق للمنجمين ليلة رأس السّنة وقد أصبحوا نجوما يطلقون التوقّعات، ينتظرهم المواطنون اللبنانيون و العرب في العالم أجمع على أحرّ من الجمر ليستمعوا إلى التنبؤات والتوقعات المرتبطة بحلول العام الجديد من كلّ سنة. يطلقون التوقّعات الشاملة كالتي تتناول مواضيع السياسة والحب والغرام و مشاريع الزواج إضافة إلى الأعمال والنجاح والتجارة والسفر وذلك بحسب قراءة الطالع من خلال الأبراج الفلكية.
نذكر من هؤلاء ماغي فرح نجمة التوقعات السنويّة للأبراج منذ عقود و الى جانبها كارمن شمّاس التي لا تغيب بحضورها المميّز على القنوات العربية.
إضافة إلى ماغي فرح و كارمن شمّاس لن نسهو عن ذكر ميشال حاييك ، مايك فغالي والوجه المتألق دوما في التوقعات الخائبة، المتناقضة و المغلوطة غالبا الأشهر من أن تعرّف: “العرّافة” ليلى عبد اللطيف ، ولا يزال الناس ينتظرون توقعات هؤلاء السنويّة التي تثير الجدل .
ماذا عن شخصيّة المنجّمين:
عادة ما يكون المنجّم شخصا يتمتع بذكاء خارق و هو إنسان واسع الحيلة ، كي لا نقول عنه أنّه محتال ونصّاب كبير وهذه القصة من التاريخ الفرنسي تشكل خير دليل على تلك الصفات:
وقع الملك لويس الحادي عشر ضحيّة منجّمه الخاص وتوقعاته الخائبة إذ كان على الملك تلبية دعوة عدوّه اللّدود شارل الشجاع Charles Le Téméraire وكان متوجسا من هذا اللقاء.
حضر منجّمه الخاص المدعو غاليوتي و طلب الملك رأيه، فطمأنه غاليوتي وقال له أن لا مانع من زيارة خصمه، ولا خطر عليه بتاتا. لكن مع الأسف وقع الملك لويس في الفخ و أسره شارل الشجاع وكان على الملك أن يدفع فدية باهظة ليشتري حريّته.
بعد أن تحرر الملك من الأسر عاد إلى قصره وطلب من حرسه أن يقبضوا على المنجم ليميته شنقا، ولكنّه قبل ذلك قرر أن يمازحه و بعدها يزهق روحه. حين حضر غاليوتي أمامه سأله الملك:
بما أنّك تجيد تماما قراءة الطالع من خلال رصد النجوم قل لي هل تعرف متى تحين منيّتك فقال له غاليوتي المخاتل والمحنك كثعلب خبيث:
لا أستطيع أن احدد ذلك بدقه يا مولاي ولكنّني أعرف عن يقين أن تاريخ وفاتي سيكون قبل ثلاثة أيام من وفاة جلالتك!
عندها شعر الملك بالتطيّر الشديد واعترته نقمة كبيرة وخيّم الوجوم على قلبه فقرر أن يبقي على حياة المنجّم المحتال ويحرص على أن لا تمسه شعرة بأذى .
ختاما لا بدّ لنا من أن نذكر أن التنجيم اليوم في حالته الشعبيّة وفي رواجه بهذا القدر بين الناس في كل بقعة من العالم، يعتبر تسلية وثقافة شعبية أكثر من علم جدّي يعتد به، والمجتمع العلمي لا يعترف به كوسيلة جادّة للمعرفة أو مدعاة ثقة، تبقى لدينا في الشرق العربي عادة قلب فنجان القهوة وانتظار جفاف ثُمالة البن في قعره وقراءة الحظ من خلال التصاوير والأشكال التي يصنعها البنّ الجاف، وسيلة محبوبة و مرغوبة في صباحيات سيدات المنازل! هي صورة معبّرة جدّا عن حاجة الناس إلى معرفة الغيب وما يخبئه المستقبل عادة وتقاليد متوارثة من سنين طويلة !