
د. أنطوان يزبك
تتسارع وتيرة ابتكارات الذكاء الاصطناعي، لدرجة أصبح معها الخيال واقعا و جزء لا يتجزأ من يومياتنا المتكررة؛ جعل هذا الذكاء من العيش في منطقة الشفق المتخيّل ممكنا، والمكوث في تلك (الماتريكس) الكافرة إيمانا راسخا، و جعلت العالم “يتشقلب” ويسير على رأسه، وأرجله تتأرجح في الهواء مثل (أنتينات) [ البزّاق] الهلاميّة، بعد أن طُبقت معادلة مسرحيّات شكسبير المضطربة ألا وهي معادلة انقلاب الحظوظ ، حينها وبكل أريحيّة يصبح الخاسر رابحا والرابح خسرانا !
وعليه وبعد انفلاش استعمال الذكاء الاصطناعي في كلّ مجال من خلال الفوضى الخلّاقة، نما سباق محموم نحو الابتكارات والتطبيقات المتجددة يوما بعد يوم، حتى بات الكون بأسره يلهث وراء الجديد في هذا العالم، ومن خلال جردة سريعة لاحظنا في الأسابيع القليلة الماضية التالي:
تغزو اليوتيوب وسائر التطبيقات الموسيقيّة المتداولة في السوشيال ميديا عشرات الأغاني من مبتكرات الذكاء الاصطناعي، وهي تمطر علينا “كالمطر الأسود في عيني يتساقط زخّات زخّات ” فاختلط الأمر على العشاق ليعرفوا على أي إيقاع سيغرمون !
كذلك في عالم الشعر والقصائد التي تذهب بألباب السامعين،ومعها نشأت تطبيقات تزعم أن بمقدورها كشف ما إذا كانت القصيدة من نظم الإنسان، أم أنها بنت( القريحة الذكائية الإصطناعية) التي تقلّد المتنبي و نزار قباني و أدونيس وسميح القاسم تقليدا متقنا!
في عالم الطب والجراحة وتشخيص الأمراض المعقّدة باتت الروبوتات الذكائية قادرة على إجراء عمليات جراحية خطرة بمهارة بالغة الدقّة والمهنيّة تفوق المهارة البشرية في دقّتها عشرات ومئات المرات. أما في حقل تشخيص الأمراض فالذكاء الاصطناعي يستطيع تشخيص الأمراض بنسبة 270% أدق من التشخيص البشري.
وفي عالم صناعة الأفلام السينمائية، كان لبشرى صناعة الأفلام بواسطة الذكاء الاصطناعي في الصين، وقع الصاعقة على هوليود وقد أعلن الصّينيون عن إطلاق آلاف الأفلام والمسلسلات المصنوعة بكاملها من الذكاء الاصطناعي، وهي تفوق بأضعاف الأضعاف الأفلام التي يصنعها البشر في جودتها، هذا يعني أن الممثلين سوف يتحوّلون إلى عاطلين عن العمل يقبعون في المنازل ويشاهدون على شاشات أجهزة التلفزيون هذه الأفلام التي سوف تحصد ملايين المشاهدين ويتحسّرون على ماضيهم الأثيل و الشهرة التي كانوا يتمتعون بها !
هذا التقدم السريع، سيجعل من البشريّة عاطلة عن العمل .
يبقى السؤال الجوهري ماذا سيفعل الإنسان حين تحلّ الآلة محلّه ؟
هل ستكون الأمور ميسّرة أكثر والناس سيعيشون في منازلهم ويصلهم الطعام والحاجات والدواء بواسطة روبوتات تدقّ الأبواب وتسلّم الحاويات المطلوبة؟ وعليه تصير الحياة حلوة، سهلة، هادئة و ممتعة !
في حقيقة الأمر ستكون الحياة غير ذلك تماما، إذ سوف يقتلنا السأم وقلّة الحركة وتاليا ستغزو الإنسانيّة قلّة الحيلة والمرؤة، و يفقد الأفراد الإنسجام مع البيئة و سائر الوجود من حولهم، ستتحوّل البشرية إلى بشرية رمادية منقبضة منطوية على نفسها، أناس سجناء الملل و”الزّهق” بدرجة قُصوى وسيُسمع في كل مكان هدير التبرّم والسخط، إلى درجة أن الناس سوف يصرخون بصوت واحد: “تركونا والله بحالنا زهقنا موت عايفين خلاقنا ! “
لن يبقى للناس سوى حلّ واحد وهو الخروج في نزهات مع الحيوانات الأليفة وهذا يذكرني بمعزوفة جاز jazz شهيرة” بعنوان نزهة الكلب ” “Walking the Dog” لجورج غيرشوين .
وتعرف هذه المعزوفة أيضا باسم “نزهة ” كتبها غيرشوين كجزء من موسيقى فيلم Shall We Dance الذي مثّله (فريد أستير ) و (جينجر روجرز) رافقت الموسيقى مشهد نزهة مع الكلب على سطح سفينة فاخرة . تشتهر المعزوفة بآلة الكلارينيت التي تؤدي لحن الجاز الخلاب ، لقد أصبحت هذه المعزوفة من أشهر مقطوعات الكلارينيت المنفردة. فهل يستولي عليها الذكاء الإصطناعي هي أيضا ، و يستولد منها عشرات الألحان الجديدة فينسى الناس المؤلف الأصلي و يطوي التاريخ والنسيان والجهل ؛ ذكرى جورج غيرشوين إلى غير رجعة !
