في إثيوبيا لا يأتي العيد فجأة و لا يولد من لحظة واحدة بل يبدأ كهمس خافت يتسلل إلى الحياة ثم يكبر شيئاً فشيئاً حتى يمتلئ به المكان .. و قد جاءت صدفة هذه المشاهد أمامي و انا بمهجري القسري نتيجة الحرب (السودانية السودانية) أعيش خارج بلادي في حالة حزن عميق فوجدت نفسي أراقب الفعاليات باهتمام غير مخطط له ثم تحولت مع الوقت إلى مادة للتأمل والتساؤل و متابعة تفاصيل ما يحدث حولي .. كان ذلك في صباح (الأحد 5 ابريل 2026 ) يوم مختلف بالنسبة لي وحدث لم اعرف تفاصيله من قبل .. يوم يمكن أن تشعر به حتى لو لم تعرف اسمه فهناك شئ ما يوحي بأنه يوم مختلف .. خرجت أراقب المشهد لا كلاجئ (غير شرعي) مخالف و بائس بل كإنسان يحاول أن يفهم كيف يعيش الآخرون حياتهم و كيف تتحول العقيدة إلى تفاصيل يومية تُرى في الشارع وتُلمس في السلوك لم يكن أول ما لفت نظري هو صوت الكنيسة القريب أو تجمع الناس بل تلك الأغصان الخضراء التي كانت في أيدي الجميع .. انه سعف النخيل غصن بسيط في ظاهره لكنه هنا لم يكن مجرد نبات بل كان معنى كاملاً يتحرك بين الناس ..
الأطفال كانوا يحملونه بفرح واضح يلوحون به و يركضون كأنهم يحتفلون بشيء جميل حتى و إن لم يدركوا كل أبعاده بينما كان الكبار يحملونه بطريقة مختلفة تماماً بهدوء و وقار كأنهم يمسكون ذكرى أو يشاركون في طقس أعمق من مجرد احتفال .. لم يكن السعف على حاله بل كان مشغولاً بعناية يشكلون منه صلبان صغيرة و ضفائر دقيقة يلبسونها عصابات علي الرؤوس و خواتم علي اصابع الجنسين و دوائر منسوجة و أشكال أخرى تكشف عن يد صبورة تعرف كيف تمنح الأشياء البسيطة روحاً جديدة …
وقفت أتأمل هذا التحول و(التغيير) و كيف يمكن لغصن عادي أن يُصنع منه كل هذا الجمال و أدركت أن السر ليس في السعف ذاته بل في اليد التي تمسك به و في المعنى الذي يُسكب فيه .. ثم يفاجأني ابن صديقي (Assefa) الذي اجد معه و اسرته بعض السلوي في تناسي احزاني فاجأني ابنه ذو العشرة سنوات بخاتم جميل من السعف ألبسني له فقلت شاكراً بلغتهم (أمسغنالو) .. و سألت بقدر ما تسمح به اللغة و الإشارة فعرفت أن هذا السعف يرمز إلى استقبال قديم و إلى لحظة فرح استُقبل فيها المسيح عليه السلام .. لكن ما شعرت به كان أعمق من الشرح إذ بدا لي أن هذا الفرح ليس نهاية بل بداية طريق طويل .. و وسط هذا المشهد لفت نظري شئ آخر لا يقل جمالاً وهو الألوان حيث كان اللون الأبيض هو الحاضر والسائد يلبسه الرجال و النساء بنقاء لافت تتخلله خيوط صفراء وزخارف ذهبية خفيفة تمنح المشهد دفئاً خاصاً بدا و كأن الناس اختاروا أن يلبسوا الضوء نفسه لا مجرد ثياب و مع حركة الجموع و مع السعف الأخضر تشكلت لوحة حية يغلب عليها الصفاء الذي تفتقده بلادي مع الحرب و الدماء .. كأن المدينة قررت أن تحتفل ببساطة الألوان لا صخبها
ولم يكن المشهد ساكناً بل كان له إيقاعه الخاص في محيط الكنائس و على امتداد الطرقات كانت هناك نغمات خفيفة ضربات منتظمة أصوات ترتفع وتنخفض بانسجام أقرب إلى تراتيل ممزوجة بإيقاع موسيقي هادئ لم يكن كرنفالاً صاخباً بل احتفالاً يمشي على مهل تتحرك فيه الجموع بانتظام وتتجاوب فيه الأصوات كأنها جسد واحد .. كرنفال روحي إن صح التعبير لا يقوم على الضجيج بل على الإحساس اقتربت أكثر و دخلت أحد هذه العوالم الداخلية حيث الكنيسة ليست مجرد مكان بل حالة كاملة الناس مصطفون بهدوء الوجوه ساكنة و الحضور بكل ما فيه دون ضجيج أو استعجال أو تشتت بدأت الصلوات بإيقاع خاص بطيء و متزن يتكرر دون أن يُمل كأن الكلمات لا تُقال بل تُعاش كل صوت كان يخرج محملاً بشئ يتجاوز معناه الظاهر ثم جاءت الترانيم صوت جماعي يرتفع و يهبط كالموج يدخل إلى الداخل دون استئذان لم يكن غناء بالمعنى المألوف بل حالة جماعية تتشكل فيها الأرواح معاً و رغم أنني لا أفهم اللغة إلا أن الإحساس وصلني واخترق الدواخل .. و هناك داخل الكنيسة تذكرت فجأة قوله تعالي بالقران الكريم :-
(ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ) و فطنت للمرة الاولي لاهمية تلك البيوت التي يذكر فيها اسم الله و ضرورة بقائها .. و تذكرت اني اُخرجت من داري بغير حق فانهمرت دموعي .. و كان ذلك أكثر ما أدهشني .. مع هذا الإيقاع و هذا التكرار و هذا الانسجام و ذكرني بشيء قريب من تجاربنا في لحظات الذكر وصوت النوبة و(طارات) الدراويش و اصوات (المُداح ) انها التلاوات التي يذوب فيها الصوت في المعنى أدركت في تلك اللحظة أن الروح لا تحتاج إلى ترجمة و أنها قادرة على أن تفهم ما تعجز اللغة عن شرحه …
حين خرجت لم أكن كما دخلت كان الناس لا يزالون يحملون السعف .. الأطفال يلعبون به و الكبار يحتفظون به لكنني صرت أراه بشكل مختلف لم يعد مجرد غصن أخضر بل أصبح بداية قصة .. هذا اليوم لم يكن عيداً بعد كما عرفت فيما بعد بل كان إعلاناً أن الطريق قد بدأ طريق يمر بالفرح والصمت و ربما بالألم ليصل إلى شيء أكبر ..
كـمسلم سوداني لم أشعر أنني غريب عن هذا المشهد بل وجدت نفسي قريباً من معناه من فكرة أن يتوقف الإنسان قليلاً أن يتأمل و أن يبدأ رحلة داخل نفسه قبل أن يصل إلى أي احتفال خارجي ظل سؤال بسيط يتردد في داخلي و أنا أراقب كل ذلك هل نعيش نحن بداياتنا كما ينبغي أم أننا لا ننتبه إلا للنهايات؟
في ذلك الصباح تعلمت أن الأشياء العظيمة لا تبدأ بضجيج بل تبدأ بهدوء شديد أحياناً بغصن أخضر يُحمل في صمت لكن معناه يمتد بعيداً في القلب …

سلام
محمد طلب
7/ابريل/2026
Translated by AI👇🏻
ኢየሱስ ትንሣኤ በኢትዮጵያ በሱዳናዊ ሙስሊም ዓይን (1)
በኢትዮጵያ በዓል በድንገት አይመጣም እና ከአንድ ቅጽበት አይወለድም፤ ነገር ግን እንደ ቀስታ የሚገባ ሹክሹክታ ይጀምራል፣ በሕይወት ውስጥ በቀስታ ይሰራጫል፣ ከዚያም ቀስ በቀስ እየበዛ ቦታውን ይሞላል። ይህን ሁሉ ትዕይንት በመገርም ዓይነት በፍጹም ድንገት በተፈጠረ ሁኔታ በስደት በምኖርበት ቦታ አየሁት፤ የሱዳን ጦርነት ምክንያት ከአገሬ ርቄ በሚኖርበት የሀዘን ሁኔታ ውስጥ ሳለሁ፣ ያለ እቅድ በጥልቅ ፍላጎት መመልከት ጀመርሁ። በጊዜ ሂደትም ወደ ትኩረት እና ጥያቄ የሚያስገባ ነገር ሆነ፤ ዙሪያዬን የሚከሰተውን ሁሉ መከታተል ጀመርሁ።
ይህ ሁሉ በተለየ እሁድ ጠዋት ነበር፤ ቀኑን ስታየው ስሙን ባታውቀውም እንኳ የተለየ ነገር እንዳለ ትሰማለህ። በዚያ ቀን የሰዎችን ሕይወት ለመረዳት የሚሞክር ሰው ነበርሁ፤ እንጂ የተበታተነ