
د. أنطوان يزبك
نحن مقلّون كثيرا في معرفة فلاسفة الصين والشرق الأقصى عامّة ، ولا باس أن نتعرّف على الفيلسوف كونفوشيوس حيث أن أبرز تعاليم فلسفته تدور حول فكرة واحدة ألا وهي : كيف نعيش مع بعضنا البعض بانسجام و مسالمة و أخلاق.
كان هدف هذا الفيلسوف ؛ إصلاح المجتمع من خلال تربية الفرد . بشّر طوال حياته بالإنسانية والرحمة والعدل والتكامل بين الناس على قاعدة ذهبيّة: ” لا تفعل بالآخرين ما لا ترضاه لنفسك” ، وعلى الإنسان أن يفعل ما هو صواب لمجرّد أنه صواب فقط . ولو أنّه يتناقض مع المصلحة الشخصيّة . كان كونفوشيوس يؤمن أن على الإنسان أن يواصل تعليمه و يتأمّل بماضيه ، وله جملة شهيرة في هذه القضيّة :” التعلّم بلا تفكير هو تعلّمٌ من دون فائدة والتفكير من دون تعلّم هو أمر خطير للغاية”.
على مدى قرون، حاول الفلاسفة والكتّاب والمفكرون فهم ما يدفعنا إلى التصرّف والحب والمعاناة والنمو في كل مراحل حياتنا .
وعليه نطرح الأسئلة التّالية : لماذا نشعر أحيانًا أننا نلهث وراء الوقت ؟ ولماذا نحوّل بعض المواقف البسيطة إلى مصادر للتوتر والشكوك والانشغالات؟ قبل عصرنا الذي يتّسم بالاتصال الدائم، وتدفّق المعلومات الهائل من خلال السوشيال ميديا ، وضغوط الأداء والإنجاز، كان الفيلسوف الصيني كونفوشيوس Confucius قد لاحظ بالفعل هذا الميل الإنساني إلى تعقيد ما يمكن عيشه ببساطة أكبر. إنها فكرة يعود عمرها إلى أكثر من ألفي عام، ومع ذلك تبدو وكأنها تصف بدقّة بعض جوانب حياتنا الحديثة. يقول كونفوشيوس :
“الحياة بسيطة حقًا، لكننا نصرّ على جعلها معقّدة.”
من خلال هذه العبارة، يشير هذا الفيلسوف { الهادئ } إلى تلك الفجوة التي تولد أحيانًا بين الواقع والطريقة التي ندركه بها. الأحداث التي تواجهنا ، ليست دائمًا معقّدة بقدر ما تكون تفسيراتنا لها، أو مخاوفنا بشأنها، أو توقعاتنا التي نسقطها عليها. لقد اعتدنا على أن نستبق بعض المشكلات التي قد لا تحدث أبدًا، و من عاداتنا أن ننسج سيناريوهات متعدّدة، وأحيانًا نحاول السيطرة على كل شيء.
لا يعني هذا الاقتباس أن الحياة خالية من الصعوبات، بل يدعونا إلى التفكير في مقدار التعقيد الذي نضيفه نحن أنفسنا إلى بعض المواقف فهواجسنا، ومقارناتنا بالآخرين، وحاجتنا إلى التحكم في أدقّ التفاصيل في حياتنا ، قد تجعل من تجاربنا اليومية مع الحياة أكثر ثقلًا وتعقيدا مّما ينبَغي !
في عالم نتعرض فيه باستمرار لكمّ هائل من المحفّزات، أصبح من الصعب التميّيز بين ما هو أساسي وما هو ثانوي. الإشعارات المتواصلة، والأخبار المتدفّقة على مدار الساعة، والضغوط التي تدفعنا إلى النجاح وتحسين الوقت وتطوير كل جانب من جوانب حياتنا؛ كلها عوامل تدفعنا إلى فعل المزيد باستمرار.
هذا العبء الذهني سوف يؤثّر حكما على قدراتنا على اتّخاذ القرارات. فمع كثرة الخيارات والمعلومات، نزداد ميلًا إلى الإفراط في التفكير، والخوف من اتّخاذ القرار الخاطئ، والشعور بإرهاق ناتج عن كثرة القرارات. وكلما زادت الخيارات، أصبح من الأصعب الشعور بالرضا.
لذلك يذكّرنا كونفوشيوس بفكرة التبسيط الذي لا يعني فعلا التّخلي أو الاستسلام. بل قد يكون استراتيجيّة فعّالة لاستعادة الوضوح، وتقليل التوتر، والتركيز على ما يهمنا ويفيدنا في الحياة . في مجتمع غالبًا ما يميل إلى التعقيد و الصخب والفوضى، يدعونا هذا الاقتباس إلى التساؤل عمّا إذا كانت بعض صعوباتنا ناتجة عن الواقع نفسه أم عن الطريقة التي نتعامل بها معه.
كان الفيلسوف كونفوشيوس فيلسوفا راقيا و رائيا أي يتبصّر وكأنه يرى المستقبل ، مستقبل الناس والبشريّة وهو الذي عاش بين عامي 551 و479 قبل الميلاد، وكان مفكرًا صينيًا وفيلسوفًا ومعلمًا ومنظّرًا أخلاقيًا. وقد كرّس حياته للتأمل في شروط العيش المتناغم، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي كما قلنا في المقدّمة .
تكمن في صميم فكره مسألة أن التوازن لا يتحقق عبر التراكم المستمر أو السعي الدائم إلى المزيد، بل من خلال تنمية الإعتدال والحكمة والإنتباه إلى ما هو جوهري. وقد تركت تعاليمه أثرًا عميقًا في الثقافة الصينية، ولا تزال تؤثّر في العديد من التأملات المعاصرة المتعلّقة بالرفاهيّة والعلاقات الإنسانيّة وفن العيش.
على الرغم من أن السياق قد تغيّر جذريًا منذ العصور القديمة، فإن ملاحظته لا تزال مدهشة بمدى راهنيتها.
يمتلك الإنسان في زمننا قدرا أكبر من الراحة والتكنولوجيا والفرص أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك يشعر كثيرون بالإرهاق والتشتت. وهنا يذكّرنا كونفوشيوس بأن الحياة الأكثر هدوءًا لا تتطلب دائمًا المزيد من الحلول، بل أحيانًا تقليل التعقيدات.
هذا ما يجعل فكر كونفوشيوس خالدًا وعابرًا للزمن ، إذ يدعونا إلى النظر بصدق إلى عاداتنا، والتساؤل عمّا إذا كنا نساهم أحيانًا ، في خلق جزء من الفوضى التي نحاول لاحقًا التخلص منها أم أننا نعي الحقيقة و نحاول فهم الوجود والحياة كما ينبغي أن نفعل دائما .
