
بقلم: أعراب خالد
الدولة: الجزائر
ليس سهلا أن تكتب عن شخص تعرفه جيدًا. الأمر يختلف عندما يكون الكاتب الذي تريد الحديث عنه ليس اسمًا التقيته في كتاب أو في ندوة، وإنما شخصًا تعرفه في حياته اليومية، تراه في الحي، تجلس معه، وتتحدثان في أمور كثيرة لا علاقة لها بالأدب، ثم تكتشف في لحظة ما أن هذا الشخص الذي تعرفه كصديق وجار يحمل في داخله عالما روائيا كاملا. هكذا أعرف طاهر حليسي. هو جاري وصديقي، والعلاقة بيننا تجاوزت مع الوقت حدود الجيرة والصداقة، حتى أصبح بالنسبة إليّ أقرب إلى الأخ. ولهذا لم يكن من السهل أن أتناول «الجونكيزا» كناقد يقف بعيدًا عن صاحبها. كنت أعرف الإنسان قبل أن أعرف الروائي، وهذا يجعل الكتابة عنه أكثر صعوبة، لكنها في الوقت نفسه أكثر صدقًا. عرفت طاهر من خلال روايته “الجونكيزا”، وكنت أتابع ذلك العالم الذي يحاول من خلاله الاقتراب من المجتمع الجزائري، من تناقضاته وشخصياته وأحلامه وانكساراته. لكنني مع الوقت أدركت أن الكتابة عنده ليست مجرد رغبة في الحكي، وإنما محاولة لفهم الإنسان الجزائري، وما الذي تفعله به الذاكرة، والفقر، والسلطة، والمال، والتاريخ. وفي إحدى جلساتنا في مقهى الحي، أخذنا الحديث إلى «الجونكيزا».
كنت قد قرأت الرواية، لكنني كنت أريد أن أعرف ما وراءها: من أين جاءت الفكرة؟ وما الذي جعل طاهر يكتب بهذه الطريقة عن المجتمع الجزائري، وعن التحولات التي عرفها؟ هناك، في تلك الجلسة، عرفت الحكاية التي جعلتني أرى الرواية بعين أخرى. كان والد طاهر، أحمد حليسي، قد مات بالفعل. ذهب طاهر لرؤيته، وفي المكان الذي كان فيه جثمان أبيه، وقعت عيناه على ورقة من كراسة بالية وممزقة، كُتب عليها اسمه: «الميت أحمد حليسي». قد تبدو الورقة مجرد تفصيل عابر، وربما كانت في نظر من كتبها مجرد إجراء عادي. لكن طاهر لم يرها كذلك. رأى فيها اختزالًا قاسيا لحياة رجل. كان أمام أبيه الذي مات، وأمام ورقة تافهة لا تكاد تصلح لشيء، لكنها تختصر الرجل في كلمة واحدة “الميت”. تخيلت المشهد وأنا أستمع إليه. رجل عاش زمنا كاملا، ثم يأتي الموت ليضعه في خانة واحدة. لا تاريخ، لا حكاية، لا تضحيات، لا خوف، لا سنوات عاشها في خدمة الثورة، ولا تفاصيل حملها معه طوال حياته. فقط اسم على ورقة.

وهنا في رأيي، لم تكن صدمة طاهر في موت أبيه وحده، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يختزل بها الإنسان بعد موته. “فأحمد حليسي “لم يكن رجلا عاديا في ذاكرة ابنه. كان من جيل عاش الثورة، وكان من الذين خدموا الجنود والشعب وساهموا في توفير المؤونة والدعم لهم. عاش زمنا لم تكن فيه الثورة مجرد صورة في كتاب تاريخ أو خطاب في مناسبة، وإنما كانت حياة مليئة بالخوف والمطاردة والجوع والتعب والتضحية. ولهذا، عندما رأى طاهر اسم أبيه على تلك الورقة البالية، لم يرَ أباه وحده. رأى رجالا كثيرين ماتوا، وذهبوا معهم بأسرارهم وحكاياتهم. رأى ذاكرة كاملة يمكن أن تضيع ببساطة لأن أصحابها رحلوا. وربما هنا بدأت الفكرة الحقيقية. فكر طاهر؛ كيف يمكن لرجل عاش وجاهد من أجل الوطن أن تنتهي حكايته في ورقة تافهة؟ وإذا كان أبي قد اختزل في هذه الورقة، فكم من مجاهد آخر اختُزل في اسم داخل ملف؟ وكم من قصة ماتت مع صاحبها لأنه لم يجد من يكتبها؟ من هنا لم تعد الكتابة مجرد مشروع أدبي. أصبحت مقاومة للنسيان. أصبح القلم وسيلة لاستعادة ما يمكن أن يسقط من الذاكرة. كأن طاهر أراد أن يقول لأبيه، بعد موته؛ لقد رحل جسدك، لكنني لن أترك حكايتك ترحل معك. وهذه الفكرة تقودنا إلى ما هو أبعد من الأب نفسه. فوالد طاهر عاش الثورة، لكنه عاش أيضا ما جاء بعدها. وهنا تبدأ المفارقة الكبرى. الثورة انتهت، والاستقلال تحقق، لكن المبادئ التي حملها بعض الرجال معهم لم تبق عند الجميع بنفس الدرجة.
بعد الاستقلال ظهرت ملفات الحقوق، وحقوق الشهداء والمجاهدين وعائلاتهم، وتفرقت مصائر الناس. منهم من هرب، ومنهم من اختفى، ومنهم من توفي، وبقيت حقوق وأموال تبحث عن أصحابها. ويتحدث طاهر عن مبالغ كبيرة مرتبطة بحقوق أبناء وأرامل الشهداء، وصلت في تقديره إلى نحو سبعة ملايير ونصف بقيمة اليوم. الرقم هنا كبيرا جدا لكن القضية ليست الرقم في حد ذاته، بل ما يكشفه هذا الواقع من تناقض. كيف ينتقل مجتمع من مرحلة كان فيها الإنسان مستعدا لأن يموت من أجل مبدأ، إلى مرحلة يصبح فيها المال والنفوذ والمصلحة قادرين على تغيير المواقف؟ كيف يمكن أن يبقى فكر الشهيد والمجاهد حاضرا في الذاكرة، بينما يتخلى بعض الناس عن المبادئ التي قامت عليها تلك التضحيات بمجرد أن تتغير الظروف؟
والد طاهر في هذه الرواية، يمثل الرجل الذي عاش الثورة ثم واجه اختبار ما بعد الثورة، اختبار أن يبقى الإنسان وفيا لما آمن به عندما تصبح المصلحة أقوى من المبدأ. ومن هنا تصبح رواية “الميزونة” الأخرى، أكثر من رواية عن شخصيات وأحداث. إنها محاولة لفهم التناقض الذي عاشه المجتمع الجزائري بين جيل ضحى من أجل فكرة، وجيل جاء بعده ووجد نفسه أمام عالم جديد تحكمه حسابات أخرى. وهذا التناقض لا يبقى في الماضي. بل يمتد إلى مجتمع سنوات العنف والعشرية السوداء، حيث تغيرت حياة الناس، ودخل الخوف إلى البيوت، وتفككت علاقات كثيرة، وأصبح الفقر والجريمة والهامش جزءا لا يتجزأ من واقع لا يمكن تجاهله.
لكن طاهر لا يكتب التاريخ كما يكتبه المؤرخ. هو لا ينقل الوقائع من صفحات الكتب، بل يلتقط أثرها في حياة الناس. يجعل التاريخ يُرى في تفاصيلهم اليومية؛ في بيتٍ تغيّر، وفي عائلةٍ دفعت ثمن قرار سياسي، وفي مقهى تحول إلى مساحة للحديث عن الخوف والهجرة. عنده لا تبقى السياسة في الأعلى؛ تنزل إلى الشارع، تدخل البيوت، وتترك آثارها على أشخاص عاديين لا يملكون القدرة على صناعة القرار. وهنا نصل إلى الهامش، وهو من أكثر المساحات حضورا في الرواية. أشخاص لم يبدأوا حياتهم من النقطة نفسها التي بدأ منها الآخرون. فقر.. حرمان .. تعليم ضعيف .. غياب لفرص العمل .. تفكك أسري وبيئة قاسية. وكل ذلك يمكن أن يصنع إنسانا مختلفا، أو يدفعه إلى طريق لم يكن يتصور أنه سيسلكه يوما ما. ومن خلال شخصيات روتئية متنوعة، يقترب الكاتب من هذه المنطقة الوعرة في الإنسان. أن لا يجعل الفقير بريئا لأنه فقير، ولا يجعل المجرم شريرا منذ ولادته. نعم، هناك ظروف تؤثر، لكن هناك أيضا اختيار. وهنا يتركنا الروائي أمام سؤال صعب؛ إلى أي حد يصنع المجتمع الإنسان الذي يخاف منه لاحقا؟ لكن السؤال لا ينتهي هنا. لأن بعض الذين خرجوا من الهامش لا علم ولا ثقافة و لا حتى أخلاق لا يبقون فيه. قد يصل أحدهم إلى المال. وقد يصل آخر إلى النفوذ
