الاستاذة كوثر سميح فرزان
عندما دسّ معلّم اللغة العربيّة في يدي الكتاب الأوّل ” الأشجار واغتيال مرزوق” وقال لي وقتذاك: ” اقرأي هذا الكتاب، وتعالي لنتناقش” كنت أظن أن القراءة تجربة هادئة، شيء شخصي جدًا، حيث المؤلف هو الذي يرسم الطريق، ونحن القراء علينا أن نتبعه ببساطة، وكأننا نسافر في خط مستقيم.
كان الكتاب الورقي هو بوابتنا الوحيدة لكل المعارف. نفتح الغلاف، وننغمس في الصفحات صفحة تلو الأخرى، ونستنشق عبق الورق القديم ورائحة الحبر المميزة، يا لها من متعة! كانت هذه الرحلة من البداية للنهاية؛ رحلة تركيز حقيقي وعمق، علاقة مباشرة تمامًا بين الكاتب وأي شخص يقرأ له، وكلها تتابع وانضباط.
لكن الكتاب الورقي بدأ يتأثر بالتكنولوجيا، وها نحن الآن في العصر الرقمي. القراءة لم تعد مجرد تتبع لسطور، بل تحوّلت إلى مغامرة متعددة الأبعاد. الكلمات الآن تتفاعل بذكاء مع الصوت والصورة، وحتى الفيديو، لتصبح رحلة حسّية وإبداعية. والقارئ هنا، صار شريكًا في صناعة المعنى، وهذه هي النقطة المركزية
إنّ النص الرقمي قلب الطاولة علينا جميعًا. القارئ لم يعد مضطرًا أبداً لـلانضباط بخطّية الصفحة. اليوم، يمكنك أن تقفز بين الروابط والمقاطع، تذهب لنصوص مرتبطة أو متفرعة، وفي النهاية تختار أنت مسارك الخاص. هذا ما يسمّيه الناس (والباحثون طبعًا) بالنص التشعّبي (Hypertext)، الذي يجعل منك شريكًا فاعلاً، فأنت تبني معنى النص بنفسك، بدل أن تكتفي فقط باستقباله جاهزًا من المؤلف. كما قال رولان بارت: “النص لا يعود ملكًا لمؤلفه، بل هو شبكة من العلامات تنتظر القارئ ليمنحه معناها”. هذه الفكرة أصبحت حقيقة معيشة اليوم في أي صفحة “ويب” نفتحها، وفي أي تجربة تفاعلية على الشاشة. فالمعنى أصبح عملية مشتركة بين الكاتب والقارئ، وبين القارئ ووسائط النص الكثيرة والمتعددة.
إنّ توسُّع مفهوم النص لم يتوقف عند الدراسات العلمية أو التعليمية! لا يا صديقي، حتى الروايات والأدب الموجه للأطفال والقصص الرقمية، كلها صارت مليئة بالصوت والموسيقى والفيديوهات، والرسوم المتحرّكة. ونحن كقرّاء، لم نعد نقرأ الكلمات فقط، بل نحن ” نعيشها”؛ نسمع ونرى ونشاهد الحركة، بل أحيانًا يمكننا أن نشارك في تغيير الأحداث، أو اختيار النهاية في الألعاب القصصية التفاعلية.
يوصف النص الرقمي الآن بأنه تجربة متعددة الحواس: “إنه نص يُقرأ، ويُرى، ويُسمع، ويُحسّ به”. هذا التفاعل الكامل يولِّد علاقة بين النص والقارئ لم نكن لنفكر فيها في زمن الورق التقليدي.
إنّ التحول إلى الشاشة التفاعلية، لم يترك القارئ مجرد متلقٍ، بل حوّله إلى مشارك حقيقي. يمكنه التعليق، والمشاركة، وإعادة النشر، بل يستطيع أن يعيد إنتاج النص بطريقة خاصة به؛ فالنص الرقمي تحول إلى ساحة تفاعل اجتماعي ومعرفي، حيث القارئ يصنع جزءًا من النص بقدر مساهمته في تفسيره، وفهمه.
وهذا كله يعيد صياغة مفهوم المؤلف ذاته! لم يعد المؤلف هو “السيّد” المتحكم في كل المعنى. بل صار مجرد المحرّك الذي يضع اللبنات الأساسية للنص، والمعنى ينمو ويُثرى بتفاعل القراء واستجاباتهم. ويرى بيير ليفي أن المعرفة تتخذ في البيئة الرقمية طابعًا جمعيًا، إذ تتوزع بين أفراد الجماعة وتتنامى من خلال التفاعل والتشارك، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الذكاء الجمعي”
مما لا شكّ فيه أنّ الوسائط الرقمية تفتح أبوابًا واسعة، وهذا أمر لا خلاف عليه من غنى النصوصحيث يمكن دمج الصور والموسيقى والفيديو، وهذا يعمّق المعنى ويجعل الرسالة تصل بطرق متنوعة وممتازة، ويوسّع الجمهور، ويعزّز التفكير النقدي من خلال الروابط والمراجع الكثيرة والمتعددة، وهذا يجبر القارئ على المقارنة والتحليل والتدقيق حتى يصبح النص متاحًا للجميع في كل مكان، وهذا عكس الكتب الورقية ذات التوزيع المحدود.
لكن مهلاً… هذه الحرية لها ثمن، وعلينا أن نعترف بالتحديات الواضحة، فهي تشتّت الانتباه لكثرة الروابط والإعلانات والتنبيهات التي لا تتوقف. وهي سطحية لدرجة أنّ الكثير من الناس أصبحوا معتادين على “المسح السريع” للنص بدلاً من قراءته بعمق. كما أنّ سيطرة الخوارزميات والسوق، فغالبًا ما تروّج لـ”النصوص السهلة”، والمستهلكة على حساب النصوص الجادّة والعميقة. هناك مشكلة عميقة يجب أن نتوقف عندها: التأثير السلبي على قدرتنا على التخيّل والتفاعل العقلي، فعندما كنا نقرأ الورق، كان علينا أن نستحضر الشخصيات والأحداث في ذهننا، وهذا ينمّي التصوّر ويحفّز الخيال، ويقوّي مهارات التفكير العليا كالابتكار.
أما النصوص الرقمية التي تضع كل شيء أمام أعيننا – الصور، والفيديو، والموسيقى – فهي تقلل بشدة من حاجتنا للتخيل الذهني، والتفاعل يتحول في الغالب إلى شيء بصري وسمعي، ويقلّ تركيزنا على الجانب العقلي، وهذا قد يضعف تدريجيًا مهاراتنا النقدية والإبداعية.
ولكن هذا لا يعني أبدًا أن الوسائط الرقمية هي الشر بعينه، بل التحدّي الحقيقي هو أن نجد التوازنبين كل هذا الإثراء والتفاعل الذي تقدمه، وبين الحفاظ على مساحة الخيال العقلي، والابتكار الشخصي.
لحسن الحظ، هناك جهود لإيجاد هذه الموازنة:
1. اللوح التفاعلي في القراءة: دراسة في سلطنة عمان أثبتت أن استخدام اللوح التفاعلي لطلاب صعوبات التعلم كان له تأثير إيجابي. لقد تفاعل الطلاب مع النصوص بشكل مباشر، وهذا ساعدهم على الفهم وتطوير مهاراتهم اللغوية.
2. التخيل الموجه للأطفال: جامعة الأنبار وجدت أن استراتيجية التخيل الموجه ساعدت في تنمية مهارات الاستكشاف لدى أطفال الروضة. تخيل المواقف والأحداث عزز قدرتهم على التفكير النقدي والإبداعي
3. الواقع المعزز والتفكير التخيلي: دراسة في مصر أظهرت أن استخدام تقنية الواقع المعزز في تدريس التربية الاجتماعية والوطنية ساعد على تنمية مهارات التفكير التخيلي وتحسين التحصيل الدراسي لطلاب الصف السادس
إنّ انتقالنا من الورق للشاشة ليس مجرد تحديث تقني، إنه تحوّل ثقافي ومعرفي هائل. القراءة اليوم أصبحت تجربة ديناميكية ومفتوحة، يتقاطع فيها كل شيء: النص، المؤلف، القارئ، والوسائط المتعددة.
والتحدّي الأكبر الذي نواجهه الآن هو: كيف نحافظ على روح القراءة العميقة في خضم هذا الفيض التفاعلي كله؟ وكيف نربي أنفسنا وأطفالنا ليصبحوا قُرّاء ناقدين، يستفيدون من الأدوات الجديدة، لكن دون أن يفقدوا أبدًا القدرة على التركيز والتأمل العقلي؟
إنها رحلة القراءة الجديدة؛ رحلة من التلقّي الساكن إلى المشاركة النشطة، ومن النص المغلق إلى النص المفتوح. وعلينا أن نعيش هذه الرحلة بكل وعي وشغف.
