
د. أنطوان يزبك
عندما تميل شمس الثقافة نحو الغروب، يصبح الأقزام عمالقة !
مقولة تنسب إلى(كارل كراوس ) ولكن مدلولاتها عظيمة وواقعية بدرجة كبيرة.
في الحياة الثقافيّة وخاصّة في عالم الشعر الوردي ؛ مشاهدٌ كثيرة وإحالات على ثوابت تسابق الوعي والثابت والمتحوّل، ومع ذلك قليلها جيّد وكثيرها في المكان الوسطي -كي لا ننعته بالسيء – ومن أجل أن أكون أكثر صراحة أفضّل أن أعتبر هذه المشاهد(مع التحفّظ الوسطي أيضا ) مريبة حدّ الإخفاق والسّقوط لأن التداعيات مكلفة ولا يجب أن تؤخذ باستخفاف.
قال لي” الشاعر الهادئ الكبير “:
إن( فلان الشاعر ) يحمل في تضاعيف شعره وفي” مظهره” لا في جوهره ما هو أسوأ من المريب؛ فهو متى خرج إلى المشهد العلني( ربما يقصد قراء الشعر والرأي العام الأدبي )، شذّ عن المألوف وصار منظرا منفّرا غاية في البشاعة يهدد كينونة الشعر ويشوّه هدفه وصيرورته وجدواه بكامل تفاصيلها المعلنة وغير المعلنة….
هذا القول أرعبني ولم أفهم مقاصد الشاعر الهادئ ! من هو ذاك( الذي) تدور حوله هذه الريبة ولماذا يتناوله بهذه الطريقة ويتكلم عليه بتلك اللهجة؟
الأسماء الموصولة وعكس ما تدلّ عليه عادة من وصل هي الأكثر إبهاما وخوفا وعثرة في أزقّة الوعي …
بطبيعة الحال لا يفهم المرء في البداية ما هو المقصود لأن في طبيعتنا الشرقيّة نحب التورية فالمبالغة وأخيرا اللفلفة، ولكن الوعي يبدأ ويلحق بركب الإدراك ولا تلبث وأن تنجلي الحجب التي تغلّف الأعين.
صدقًا أقول أنّ في عمق أعماقي وبلا تكلّف؛ أنني سعيد للغاية أن أكون من بلد المئة ألف ( شاعرة وشاعر)، ولا أخفي أبدا كم تكتمل سعادتي حين، في أحلك الظروف، يأتي الشعر شافيا كما البلسم لكلّ الأمراض النفسيّة والهموم المستعصية ؛ يفعل هذا الكلام السحري ؛ فعل الترياق لمحاربة السمٓ الذي يريد إهلاك الجسد وإفساد الوعي والروح الإنسانيّة السّامية المتكاملة مع الخالق والوجود في سيمفونية عذبة وراقية.
الشعر يا أحبائي، هو كلام الملائكة حين تثور ثائرة الشياطين، هو كلمة الفصل في حمأة الخلاف والخصام والجدليّات العقيمة التي تدور في مسرح الابتذال والعقم والتردّي الفكري. الشعر ينبع من حقيقة الوجود والمشاعر، هو رافعة للحب ومحراب الصلاة وضامن السلام في ساعات الخطر والشدٓة والألم، الشعر يا أحبائي هو أوٓلا وآخرا سلاح المفكر والمتعبٓد والإنسان صاحب الرٓقي، وهو لا يجري على لسان أيّ كان، بل هو مثل كلام ربّاني”يتنزّل” على روح الإنسان الذي نزٓه نفسه عن الحقارات والدونيات وارتقى في حياته البشريٓة وكذلك في خبرته الروحيّة مرتفعا ومترفّعا، نابذا مطامع الدنيا ومادّتها القذرة، مستغنيا عن كنوزها مهما تعاظمت ومنحت الإنسان القوّة والجّاه والسلطة والجبروت…
وليعلم كل إنسان أن المادّة وفسادها لا تصنع شعرا ! تماما كما لو أننا نشاء، نستطيع أن نخلق من العوسج تينا أو نحوّل النحاس ذهبا أو نأخذ أموالنا وجواهرنا معنا ونحملها في أمتعة إلى ما بعد الموت في الآلة الحدباء أي التابوت الخشبي الذي سيأكل منه السوس أسوة بالجثة…
وعليه أطرح السؤال التالي :
هل يدرك بعض الشعراء و[ لا أعمّم ] جدوى ما يكتبون وينظمون ويلقون في محافل ومنتديات وحفلات ؟
هل هم يعرفون حقّ المعرفة قيمة محمول الشعر الذي يحملون لواءَه، ويمضون في عمليّة استغلاله وتشويه مضمونه تشويها قبيحًا كما كسّارات الصخور التي تطحن جبالنا الدهريّة وتجعل مكانها صحراء ؟
المشكلة في مجتمعنا المهزوم والمأزوم أخلاقيا، أنّنا كوٓنا من ضعفنا وعقدنا سلوكيات لا نزيح عنها، كلّها مضرّة وقاتلة وعلى رأسها ما يعرف” بعبادة الذات” في مراحل متقدّمة من الفساد والجريمة والتجنّي… كيف ذلك ؟
عبادة الذات تلك هي مؤسسة ريعية تبغي الربح، قمنا نحن بشقع حجارتها من خلال تشويه وسرقة ما هو موجود في الأنطولوجيا الشعرية الثقافية، كما قمنا بعملية تفكيك(ليست المدرسة التفكيكية في الأدب والفلسفة )، التفكيك هنا هو ما أقصد به كلّ ما يمارسه الإنتهازيّون من شعراء الصدفة أو ما يطلق عليهم لقب شعراء الموسم وتحديدا ” شعراء الوقت الراهن ” الذين يعملون على هواهم وفي غفلة الوعي والإدراك، إذ يفككون و(يركّبون) على طريقة ال lego أوال mecano القصائد السابقة لشعراء عظام سبقوهم وغابوا بحيث قام بعض شعراء اليوم واعتلوا أعلى المناصب، معتبرين أنفسهم ورَثة لهؤلاء العظماء لدرجة أنهم أجازوا لأنفسهم ما لا يجوز وتصرّفوا “بتركة ” هؤلاء الشعراء الذين رحلوا!
يأخذون القصائد ويتصرّفون بها على هواهم كما أسلفت مثل الذي يلعب لعبة البازل أو الليغو،حتى صار الشعر: “لعبة أطفال “، نعم لهو وعبث الصغار مع الأسف الشديد !!
أمّا المشكلة الأكثر تعقيدا في هذا الزمن، فتكمن في معضلة أساسية وهي عدم قبول النقد العلمي المتجرّد من كل محسوبيّة؛ فمجرد لفظ كلمة نقد، يصاب هؤلاء الشعراء بالهستيريا الإنقلابية والجنون، وكل كلمة تقال وفيها بعض التلميح تصير كلمة كوارثيّة بالنسبة لهم ويقولون أنها تنالهم “بالشخصي ” !
لا أحد يقبل أدنى ملاحظة وفي حال قبل على مضض، وهذا من النوادر قبل هذا [ المعتدّ بذاته] حضوريّا، ومن ثمّ حنق غيابيا ودارت المعارك اللسانيّة المنحدرة الساقطة البذيئة، والتي تحصل في الغيبة وازدهر الاغتياب والنفاق والارتياب وما أشبه ذلك بساحات الوغى أيام زمان :
قتل وضرب وطعن وتسويح بالسيوف والحراب والمقالع والحجارة- لم يصل الأمر بعد إلى إطلاق الرصاص – ونصلٓي كي لا يأتي هذا اليوم !!..
لم يشهد تاريخ الشعر في زمانه هذا النوع من( الاستيلاء )، لم يشهد أبدا هكذا هجمة طوفانيّة وهكذا تفلّت من كل ما هو لائق ومنطقي وعقلاني وحلّت مكانه نوازع الدونيّة وتسيّدت مظاهر البلطجة!!…
الخوف الآن هو كالتالي:
ماذا سننقل إلى الجيل المقبل وكيف ستكون عليه الأجيال القادمة، ليس في الشعر فحسب بل في كل ميادين الثقافة والمسرح والفنون والعلوم..
عندما قامت الدولة الفرنسية ورفعت دعوة على الشاعر الفرنسي شارل بودلير في منتصف القرن التاسع عشر متهمة ديوانه الشعري الباهر ” أزهار الشرّ ” بالخروج على القانون والأخلاق بسبب محتواه المتجدد الصريح، قامت قيامة الأوساط الأدبية والقانونية والدينية، متّهمة بودلير أنّه يمسّ بالأخلاق العامة، حينها قال الناس انتهى الشعر ودفن الإبداع ولكن حصل العكس وقامت ثورة فكرية جارفة، حطّمت كلّ القيود واقتحمت كل السّدود !
من الواضح و بدون جدال أن السلطة فعلت ذلك ليس بسبب محتوى الديوان واعتباره إباحيا يشذّ عن قواعد الاخلاق، بل فعلت ذلك فقط لكي تشرعن العقليّة الرجعيّة من خلال الضغط على الشعراء، واضطهاد أهل الفكر الحرّ، وهدف السلطة هو الضغط على الرأي العام وتطويعه والسيطرة عليه، لأن شارل بودلير، هو شاعر مهم جدا ومؤثّر في مجتمع ذلك الزمن، فإذا عُذّب واضطهد يخاف الشعراء والمثقفون الآخرون ومعهم الرأي العام. بقيت هذه الدعوة على بودلير معلّقة ولم ترفع المحكمة الحظر عن هذا الكتاب إلا بعد مرور 100 عام على ذلك الاتهام الجائر في منتصف القرن العشرين.
لماذا أذكر هذه الواقعة ؟ أذكرها لأن هكذا تتعامل الناس مع الشعر إلى جانب الحكومات في كل زمان ومكان والطغاة يرتعدون أمام جبروت الشعر والشعراء كما لو كانوا خطرا وشيكا أو عدوّا شرسًا، ولكن هذه الأنظمة لم تستطع يوما أن تنتصر على الكلمة وتاليا كم من قصيدة هزّت عروشا وأطاحت بأنظمة.
لكن ما قولكم إذا الشعراء هم من يهدد الشعر وحريته، هل يصمد الشعر في القادم من الأيام بعد خيانة من يدكّ قلعته من الداخل؟
نعم من قبل الذين يدّعون أنهم شعراء وصاروا يتلاعبون بمصير الشعر ومساره على هواهم !
تبقى هذه المخاوف والهواجس تحاصرنا ولا حلّا لها في المدى المنظور، لن ننسى أبدا أن الذي وشى بسقراط للسلطات كان شاعرا فاشلا وفعل فعلته من شدة حنقه وخساسته والويل كل الويل للشاعر الذي يدفعه حقده إلى تسليم سقراط من جديد !!….
