في المرتفعات الجبلية لجزيرة سولاويسي الإندونيسية، تعيش قبيلة «التوراجا» (Toraja) وفق منظومة روحية واجتماعية فريدة تُعيد تعريف الفاصل الدقيق بين الحياة والموت. فبينما تُقيم أغلب المجتمعات البشرية حدوداً قاسية بين عالم الأحياء وعالم الراحلين، تُقدم التوراجا فلسفة إنسانية تخرج الموت من إطاره المأساوي المظلم، لِتَحُولَه إلى احتفاءٍ ممتدٍ بالذاكرة والرابطة العائلية عبر عقيدتهم التقليدية المسماة «ألوك تودولو» (طريقة الأسلاف).
الموت ليس نهاية… المتوفى بوصفه «مريضاً»، لا يُعتبر الفرد في ثقافة التوراجا ميتاً بمجرد توقف قلبه عن النبض؛ إذ يُنظر إلى الوفاة الفيزيائية بوصفها بداية لرحلة انتقال تدريجية طويلة نحو عالم الأرواح المعظم الذي يُسمى «بوا» (Puya).
وحتى إقامة مراسم الجنازة الرسمية، يُعامل المتوفى كشخص “مريض” أو “نائم” تُطلق عليه تسمية (To Makula’). يُحفظ الجثمان داخل البيت العائلي التقليدي لمدة قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات؛ حيث تُقدّم له الوجبات اليومية، وتُتبادل معه أطراف الحديث، ويُزار من قِبل الأقارب، تجنباً لإشعاره بالإهمال أو القطيعة.
التحنيط ومعالجة الجثمان (هندسة البقاء بلا تحلل)، يُعد الحفاظ على الجثمان وتجنب التحلل والرائحة الكريهة الركيزة الأساسية التي تضمن نجاح هذه الطقوس؛ إذ ينظر التوراجا إلى ظهور روائح التحلل كتقصير روحاني وتفريط في احترام الميت. ولمعالجة هذه المسألة الفيزيائية، يدمج التوراجا بين تقنيات تحنيط نباتية قديمة وأساليب طبية حديثة:
- التحنيط التراثي القديم (النباتات والأعشاب):
- عصير نبات البتيل (Betel leaves): يُدهن الجسد بخلطات مركزة من ورق البتيل والنباتات العطرية المقاومة للبكتيريا.
- أوراق الشاي والقهوة: تُفرش أوراق الشاي الجافة والقهوة المطحونة بكثرة داخل التابوت وحول الجثمان لامتصاص الرطوبة وسحب رواسب التحلل الابتدائي.
- الملح والمواد الجافة: تُحشى المنطقة المحيطة بالجثة بكميات كبيرة من الملح والأعشاب لتمرير الجسد بمرحلة “تجفيف بطيء” تشبه الجفاف الطبيعي.
- مواد التحنيط الحديثة (الفورمالين): مع انتشار الطب الحديث، اعتمد التراجا على مادة الفورمالين؛ حيث يُحقن الجثمان بالمحلول عبر الأوعية الدموية بواسطة متخصصين لوقف عمل البكتيريا والأنزيمات فوراً، مما يحول الجسد إلى “مومياء جافة” دون تعفن، حتى وإن بقي داخل البيت لسنوات.
- معالجة التهوية وفضاء البيت: يُوضع الجثمان في الغرفة الشمالية أو الخلفية من منزل التونغكونان (الأكثر برودة وتظليلاً)، مع حرق البخور والأخشاب العطرية باستمرار للحفاظ على بيئة زكية الرائحة.
طقوس دفن الأطفال الرضع… عودة الروح إلى رحم الشجرة («Passiliran»)، تتغير فلسفة الدفن لدى التوراجا عندما يتعلق الأمر بالأطفال الرضع الذين يتوفون قبل بزوغ أسنانهم الأولى؛ إذ يُنظر إليهم بوصفهم روحاً طاهرة ونقية لم تتلوث بالخطايا بعد:
- أشجار التاراجو (Tarra Tree): لا يُدفن الأطفال في الكهوف الجبلية كالبالغين، ولا تُقام لهم مراسم نحر الجواميس الشاقة، بل يُدفنون داخل أضرحة تُنحت في أجزاء جُذوع «أشجار التاراجو» الضخمة.
- الطقس المعماري والدفني: تُحفر تجاويف خاصة في جذع الشجرة الحية لتسع جثمان الطفل الذي يُلف بأقمشة قطنية خفيفة دون تابوت، ثم يُغلق التجويف بباب من ألياف نخيل البامبو أو الخيزران.
- فلسفة النمو المستمر: اختيار شجرة “التاراجو” تحديداً يعود إلى عصارتها اللبنية البيضاء التي تُشبه حليب الأم؛ حيث يعتقد التوراجا أن الشجرة تقوم برضاعة الطفل واحتضانه، ومع نمو الشجرة وانغلاق التجويف بمرور السنوات، تُمتص روح الطفل لتصبح جزءاً من كائن حي ينشأ ويتسامى نحو السماء.
طقس «رامبو سولو» والقرابين المقدسة، تُعد الجنازة التي تُعرف بـ «رامبو سولو» (Rambu Solo) أهم حدث اجتماعي واقتصادي في حياة فرد التوراجا البالغ، وتُقام فور تمكُّن العائلة من تدبير التكاليف المالية الباهظة اللازمة لإعدادها:
- فلسفة القرابين (تضحية الجواميس والأبقار): تُنحر خلال الجنازة عشرات الجواميس والأبقار (خصوصاً الجواميس المُرَقَّطة النادرة التي قد يصل سعر الواحد منها إلى عشرات آلاف الدولارات). لا تُعتبر هذه الذبائح مجرد مظاهر بذخ، بل هي «قرابين عبور»؛ إذ يُعتقد أن أرواح الجواميس تُرافق روح المتوفى وتعمل كمركبة تُسهّل عبوره الأبدي نحو أرض الأرواح (بويا). وكلما زاد عدد الجواميس المنحورة، ارتفعت مكانة الروح وموقعها في العالم الآخر.
- المقابر الصخرية المعلقة: لا يُدفن الموتى تحت التراب، بل تُوضع التوابيت داخل كهوف صخرية تُنحت في أعالي الجبال، أو تُعلّق على واجهات المرتفعات الشاهقة لحمايتها من الحيوانات واللصوص ولتظل قريبة من السماء.
تماثيل المكرمين «التاو تاو» (Tau-tau)… حراس الفضاء الأبدي.، تُشكل تماثيل «التاو تاو» إحدى أبرز المفردات البصرية والروحية في ثقافة التوراجا، وهي ليست مجرد منحوتات تذكارية، بل أجساد بديلة تُجسد حضور الأسلاف الراحلين بين الأحياء.

- صناعة التميمة والمكانة: يُصنع تمثال «التاو تاو» خصيصاً للنبلاء والوجهاء والمكرمين ممن أقيمت لهم جنازات كبرى وشُهد لهم بالمكانة الاجتماعية. يُنحت التمثال من خشب شجرة الجاك فروت (Jackfruit) المتين والمعمر.
- التشابه والدقة: يُراعي النحاتون إعادة إنتاج ملامح وجه المتوفى بدقة، بما في ذلك تعابير الوجه والعينين (التي كانت تُصنع قديماً من العاج أو صدف اللؤلؤ).
- الشرفات الجبلية: تُوضع التماثيل على شرفات خشبية (Lemo) تُبنى خصيصاً على واجهات الجبال الصخرية بالقرب من المدافن. تُلبس التماثيل الملابس الحقيقية للمتوفى، وتُوجَّه أذرعها إلى الأمام في وضعية باركة ومبشرة، لتظل يروحها يَقِظةً تراقِب القرى، وتحمي العائلات، وتبارك المحاصيل الزراعية.
طقس «المانيني»… تجديد العهد واستعادة الوجوه، تتجسد الذروة التعبيرية لفلسفة التوراجا في طقس «المانيني» (Ma’nene’)؛ وهو مهرجان سنوي يُقام عادةً في شهر أغسطس بعد موسم الحصاد لتكريم الأسلاف.
خلال هذا الطقس، تفتح العائلات المقابر الصخرية وتُخرج جثامين أحبائها الراحلين؛ حيث يُزال الكفن القديم، وتُنظَّف الجثامين المومياوية الجافة وتُجفَّف بلطف، ثم يُعاد إلباسها ملابس حديثة وأنيقة، ونظارات شمسية، وإكسسوارات. يتخلل هذا اليوم التقاط الصور العائلية مع الموتى، وتحديث التوابيت، وتجديد كسوة تماثيل «التاو تاو»، في أجواء تسودها الفرحة والاعتزاز بالجذور، حيث يُعرَّف الأبناء والأحفاد على تاريخ أسلافهم بشكل ملموس دون التعامل مع روائح أو تحلل نشط.
طقس «رامبو سولو» (Rambu Solo)
تُظهر الصورة تجمع الأهالي أمام منازل «التونغكونان» التقليدية ذات الأسقف السهمية المميزة، حيث تُجهز الجواميس لنحرها كقرابين مكرّمة لتسهيل عبور روح المتوفى إلى العالم الآخر

2. طقس «المانيني» (Ma’nene’)
تُجسد الصورة اللحظات العائلية أثناء العناية بالجثمان وتجديد أقمشته وكسوته الكتانبة، حيث يُخرج الموتى المحنطون لتنظيفهم وتكريمهم وسط حضور الأقارب والأبناء.

الموت كمرآة للحياة
تُظهر ثقافة قبيلة التوراجا أن التعامل مع الموت ليس بالضرورة تسليماً بالعدم أو انكساراً أمام الفناء، بل يمكن أن يتحول إلى أداة لترسيخ التضامن الاجتماعي وصون الذاكرة الجماعية. إنهم لا يحاربون الموت بالنسيان، بل يواجهونه بالرعاية والمحبة الممتدة، لتظل الأسماء والوجوه حية في تضاعيف البيت، والهندسة المعمارية لمنازلهم (التونغكونان)، وفي أجزاء الأشجار التي تحتضن صغارهم، وعلى شرفات الجبال حيث تقف تماثيل المكرمين حارسةً للفضاء والزمن، والطقوس التي تجعل من الغياب شكلاً آخر من أشكال الحضور.
إعداد إخلاص فرنسيس
