“الزمن الجميل”… هل كان جميلًا حقًّا؟ (38)

مروان ناصح
حين نستعيد ما نسميه اليوم “الزمن الجميل“، تتداعى إلى الذاكرة صور المدن الهادئة، والمقاهي الأدبية، والكتب التي كانت تُقرأ على مهل، والأصوات التي كانت تملأ الفضاء شعرًا وفكرًا وحلمًا. غير أن تلك الصورة المضيئة، تخفي وراءها وجوهًا كثيرة أرهقها البعد، وأتعبتها الغربة، ودفعت ثمن الكلمة الحرة من عمرها وطمأنينتها. ففي قلب كل مغترب عاش أديبٌ يحمل وطنه، كما تحمل الشجرة ماءها في أعماق الجذور؛ قد تبعده المسافات، لكنه يبقى مشدودًا إلى الأرض الأولى بخيط لا تراه العين، وتدركه الروح.
–المنفى… مرآة للذات والوطن:
في المنافي البعيدة، وجد الأدباء أنفسهم وجهاً لوجه أمام ذواتهم. كانوا ينظرون إلى الوطن كما ينظر المسافر إلى مصباح بعيد يلمع في آخر الطريق؛ كلما ابتعد عنه ازداد حضورًا في الذاكرة. هناك، تحت سماء أخرى، وبين لغات وعادات مختلفة، أصبحت الكتابة وطناً بديلاً، وصار الحنين حبرًا يسيل على الورق.
–التحديات اليومية في المنفى:
لم تكن الكتابة في المنفى نزهة روحية، بل كانت مواجهة يومية مع الوحدة والعزلة، وشعورٍ دائم بأن شيئًا من الروح بقي هناك، وراء الحدود. كان الأديب يكتب أحيانًا وهو يشعر أنه يعيش بين زمنين: زمنٍ يصر على الاحتفاظ به في ذاكرته، وزمنٍ جديد يفرض عليه أن يتأقلم معه. وبين هذين الزمنين، كان يحاول أن يحافظ على لغته، وعلى ملامحه الثقافية، وعلى إيمانه بأن للكلمات قدرة على مقاومة الغياب.
- –ثمن الكلمة الحرة:
ولعل أكثر ما يكشف الوجه الآخر لذلك الزمن، أن كثيرًا من الأدباء لم يغادروا أوطانهم بحثًا عن الرفاه أو الشهرة، بل غادروها لأن الكلمة كانت أثقل من أن تُحتمل. بعضهم حُرم من النشر، وبعضهم مُنع من المشاركة في الحياة الثقافية، وبعضهم طُويت أسماؤهم في سجلات النسيان المتعمد، وكأن العقاب لا يكتمل إلا بإقصاء المبدع عن جمهوره. لكن الكلمة الحرة تشبه البذرة؛ قد تُدفن تحت التراب سنوات طويلة، غير أنها تظل تحتفظ بسر الحياة.
-أثر الأدباء المنفيين في الثقافة الوطنية:
ورغم البعد، ظل أدب المنفى يحمل شعلة الوطن، وينقل قضاياه وآماله وأحلامه. بل إن كثيرًا من هؤلاء الأدباء أغنوا الثقافة الوطنية برؤى جديدة، وخبرات إنسانية اكتسبوها من احتكاكهم بثقافات متعددة. وكانت أعمالهم جسورًا تمتد بين الداخل والخارج، وتؤكد أن الإبداع لا تعيقه الحدود.
–منفى الاختيار ومنفى الضرورة:
هناك من اختار المنفى هربًا من القمع، أو بحثًا عن فضاء أرحب للفكر، وهناك من فُرض عليه الرحيل قسرًا، فوجد نفسه غريبًا عن المكان الذي يعيش فيه، ومشتاقًا إلى المكان الذي غادره.
لكن الأدب ظل الرفيق الأوفى في الحالتين؛ يخفف وطأة الوحدة، ويمنح الغريب نافذة يطل منها على وطنه، ويجعل من الحنين طاقة للحياة لا سببًا للانكسار.
–تكريم متأخر:
ومن المفارقات المؤلمة أن بعض الأدباء وجدوا في المنافي تقديرًا لم يجدوه في أوطانهم. تُرجمت أعمالهم، واحتُفي بأسمائهم، ودُعوا إلى المنابر الثقافية، بينما ظل الاعتراف بهم في بلادهم مؤجلاً، أو مشروطًا، أو خافتًا.
–المنفى والإعلام الرقمي:
اليوم، تبدلت الأشياء كثيرًا. فوسائل الاتصال الحديثة اختصرت المسافات، وأصبح الأديب المنفي قادرًا على مخاطبة قرائه في وطنه بلحظة واحدة. غير أن هذا القرب التقني لا يلغي تحديات جديدة؛ فالضوضاء المعلوماتية، وتسارع الإيقاع، والخوف من ذوبان الهوية، كلها أسئلة ما زالت تؤرق المبدعين.
–خاتمة:
فهل كان ذلك الزمن جميلًا حقًّا؟ ربما كان جميلًا في ذاكرة من عاشوه، لكنه لم يكن جميلًا بالقدر نفسه لأولئك الذين حملوا حقائبهم وغادروا أوطانهم، وهم يخفون دمعة الوداع خلف ابتسامة شاحبة. ومع ذلك، فإن هؤلاء الأدباء لم يسمحوا للمنفى أن يهزمهم. فحوّلوا الغربة إلى أغنية،
والحنين إلى قصيدة، والألم إلى نور.
