
ماجد قره
لا ينشغل الفنان التشكيلي ياسر نبيل في لوحته «عقاب آدم وحواء» بإعادة تصوير الرواية الأولى كما استقرت في الذاكرة الدينية، بل يتخذ منها نقطة انطلاق لطرح سؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح واعياً بذاته؟ ومن هذه الزاوية تتحول الخطيئة من فعل تاريخي إلى لحظة وجودية فاصلة، لا لأنها أخرجت الإنسان من الجنة، بل لأنها أدخلته في عالم المعرفة والقلق والاختيار والمسؤولية. وهكذا يغدو العقاب هو الوعي نفسه، ويصبح الإنسان محكوماً بحمل ذاكرته إلى الأبد.
تستقبل العين كتلة بشرية شاهقة تتوسط الفضاء، لكنها لا تبدو منتصبة بقدر ما تبدو منهكة تحت حمل غير مرئي. فالجسد منحنٍ، والرأس مثقل، والكتفان ينحنيان إلى الداخل كما لو أن الشخصية لا تواجه العالم، بل تواجه نفسها. ومنذ اللحظة الأولى يدرك المتلقي أن الألم في هذه اللوحة لا يصدر عن قوة خارجية، وإنما يتولد من الداخل، من صراع النفس مع ما تعرفه عن ذاتها.
نجح الفنان في تحويل البناء التشكيلي إلى صورة للحالة النفسية. فالخطوط الحادة التي تشطر الجسد، والانكسارات التي تعيد تشكيل الكتلة، والإيقاع المتوتر بين الصعود والهبوط، جميعها لا تصف حركة جسدية، وإنما تكشف عن ذات فقدت انسجامها الداخلي. إن الإنسان هنا لا ينقسم إلى أجزاء لأن الشكل يقتضي ذلك، بل لأن التجربة الوجودية نفسها قد شطرته إلى رغبات متعارضة، وإلى ذاكرة لا تستطيع النسيان، وإرادة تبحث عن الخلاص دون أن تجده كاملاً.
ولا يعود الجسد في هذا العمل جسداً بيولوجياً، بل يصبح خريطة للنفس. فكل تشقق في الكتلة، وكل زاوية حادة، وكل فراغ داخل البناء، يحمل أثراً من آثار الصدمة الأولى. وكأن الفنان يريد القول إن الإنسان لا يحمل الخطيئة فوق كتفيه، بل يحملها في تكوينه النفسي، حتى تصبح جزءاً من بنيته الداخلية.
وتزداد هذه الرؤية عمقاً حين يذيب الفنان آدم وحواء داخل جسد واحد، فلا يعود ممكناً التمييز بين حدود كل منهما. إنهما لا يمثلان شخصين بقدر ما يمثلان الإنسان في صورته الكلية، حيث تتوحد الذكورة والأنوثة في مصير واحد، وتتلاشى الفروق أمام التجربة المشتركة للوعي والسقوط. وهنا يغادر العمل حدود الحكاية الدينية ليصبح حديثاً عن الإنسان أينما كان، وعن ذلك الحمل الذي يرافقه منذ أن أدرك أنه مسؤول عن وجوده.
وتكتسب الرموز حضوراً نفسياً يتجاوز معناها المباشر. فرأس الحيوان المندمج في الكتلة البشرية لا يؤدي دوراً سردياً، بل يذكر بأن الغريزة لا تنفصل عن الطبيعة الإنسانية، وأن الصراع بين العقل والرغبة ليس حادثة عابرة، بل بنية أصيلة في الإنسان. أما الوجوه والعيون المختبئة داخل الكتلة فتبدو كأنها أصوات الذاكرة، أو طبقات متعددة للذات، تراقب الإنسان من الداخل أكثر مما تراقبه من الخارج. إنها ضمير حي لا يكف عن مساءلته.
وتحمل الكلمة المكتوبة بخط خافت داخل اللوحة دلالة نفسية مؤثرة؛ فهي تلمح إلى التظاهر وإلى الأقنعة التي يرتديها الإنسان ليخفي هشاشته. غير أن هذه الأقنعة لا تغير شيئاً من الحقيقة، إذ يبقى العبء مقيماً في الداخل، ويظل الإنسان عاجزاً عن خداع ذاته مهما نجح في خداع الآخرين.
أما التقنية فتخدم هذه الرؤية الفكرية بذكاء واضح. فقد اعتمد الفنان على تقنية مختلطة تجمع الفحم والحبر والطباشير الأبيض فوق ورق ذي لون ترابي، وهي مواد تمتلك قدرة عالية على تسجيل الأثر والانفعال. فالفحم يمنح الكتلة عمقها وجرحها البصري، بينما ترسم الخطوط بالحبر حدود الصراع والانقسام، وتأتي اللمسات البيضاء لتكشف الضوء بوصفه أثراً بعيداً للرجاء، لا بوصفه انتصاراً كاملاً على العتمة. وبهذا تتحول المادة نفسها إلى جزء من المعنى، فلا تكون مجرد وسيلة للرسم، بل لغة نفسية قائمة بذاتها.
كما تتعامل اللوحة مع الكتلة بروح نحتية واضحة. فالضوء لا يزين السطح، بل يكشف الوزن والحجم، ويجعل الجسد أقرب إلى صخرة نُحتت ببطء تحت ضغط الزمن. ويكتسب هذا الإحساس بالحجر قيمة فلسفية، لأن الإنسان يبدو وكأنه يتحول تدريجياً إلى جزء من الأرض التي أُلقي إليها، فيصبح وجوده أكثر ثقلاً وأكثر التصاقاً بالمادة.
ولعل أكثر ما يمنح العمل تميزه أنه لا يقدم الخلاص، ولا يطلق حكماً أخلاقياً على الإنسان. إنه يكتفي بوضعه أمام حقيقة وجوده. فالإنسان، في رؤية ياسر نبايل، ليس كائناً يعاني لأنه أخطأ فحسب، بل لأنه صار يعرف، ولأن المعرفة نفسها تحمل معها القلق، والشك، والإحساس بالفقد، والرغبة المستحيلة في استعادة براءة لن تعود.
بهذا المعنى تصبح اللوحة تأملاً بصرياً في الفلسفة الوجودية أكثر مما هي استعادة لحدث ديني. فالخطيئة ليست النهاية، بل البداية؛ بداية الوعي، وبداية الحرية، وبداية المسؤولية، وبداية الوحدة التي يعيشها الإنسان في مواجهة نفسه. ومن هنا تنبع قوة العمل، إذ يجعل من كل خط، وكل كتلة، وكل ظل، شاهداً على معركة الإنسان مع ذاته، وعلى ذلك الحمل الذي لا يراه أحد، لكنه يحدد مصيره كله.
بيانات العمل
الفنان: ياسر نبيل
عنوان العمل: عقاب آدم وحواء
التقنية: فحم، حبر، وطباشير أبيض على ورق كرافت (تقنية مختلطة).
الأبعاد: 210 × 150 سم
المعرض: ODD
المكان: جاليري ياسين – الزمالك مستمر حتى 29 يناير.2025
