بقلم: سحر الهنيدي بالمر | كاتبة وبودكاستر
تدهشني دهشة الرجل حين يصادف امرأةً تُدهِش. نحن معشر النساء، كمعشر الرجال — على أشكالنا نقع. فلماذا الدهشة إذن؟
إن كنت في عالم الأدب أو الصحافة أو حتى صناعة المحتوى، قد تتلقى عادة ردود فعل مثل “نبحث عن الدهشة في نصّك، أو عملك ليجلب الجمهور.” وإن كنت امرأة تبحر في عالم تجارب الحياة، قد تندهش بتصريح أنك “امرأة مدهشة” — لم تصادف من قبل.
لماذا الحث على الاندهاش المستمر وكأن تفاصيل الحياة اليومية تخلو من الدهشة؟ أنا شخصياً تدهشني مشاهدة سرب من الطير وهو يحلق بتناغم عند الغروب، واختلاف وقع انعكاس أشعة الشمس على زجاج مباني المدينة ساعة الشروق والغروب بتفاوت الفصول. يدهشني تواضع الأشخاص الأثرياء أو المشهورين، وصدق التعبير والتأثير أينما وُجد — في شخص بالغ، أو من فم طفل، أو أي عمل فني.
المرأة بين المجاز والواقع
لا أستنكر وجوب المجاز في التعبير الأدبي. لكنني في الوقت ذاته أتساءل: لماذا تُلَفّ المرأة بعباءة حين يكتبها رجل، ويندهش حين يقابلها؟ هل هو شعور وجودي منذ فجر البشرية؟ المرأة حيوان ثديي كالرجل، لكنها تنزف كل شهر، وتبعث الحياة من جوفها بعد صمت تسعة أشهر، وتستمر في العيش عاماً بعد عام. ثم يُستر جسمها بأوراق التوت، ونهداها بالرمان، وشفتاها بالكرز، وعسلها بقطرات مجاز النبيذ.
فهل هذه العباءة تخبّئ هوية المرأة أم تسترها؟ فلا يستوعب الرجل واقع تكوينها وبعثها الحياة المستمر — فيتفادى لا شعورياً حضور هذا الكائن المدهش في كل امرأة.
ربما لهذا كتب نزار قباني:
كيف يمكنني أن أربح المعركة
وأنا رجلٌ واحد…
وأنت قبيلة من النساء؟
بين القبول والرفض
سكنت في لندن لأكثر من ربع قرن. كنت أساهم بنشر مقالات متنوعة في مجلة تعنى بالرجل وتصدر عن دار إحدى الصحف العربية الدولية. كان رئيس التحرير يقبل المقالات ويرفض النصوص الشعرية بحجة أنها جريئة — لكنه كان يتصل بي شخصياً كل شهر ليسألني: “هل كتبت نصاً جديداً؟” فأجيب بنعم. “هل ستنشره؟” فيقول: “لا. لكنني أتطلع إلى قراءته.”
لم يكن موقفه وحده — كان صدىً لمناخ ثقافي عام، يتطلع إلى الجرأة في السر ويرفضها في العلن. ولم يتغير هذا المناخ كثيراً حتى اليوم. وكان حاجزاً حقيقياً دفعني إلى التخلي عن ممارسة الشعر سنوات. إلى أن تجرّأت — ونحن اليوم أمام الديوان الأول، أنثى السّحر من دار عنوان للنشر. وكأن هذا التناقض بعينه هو ما ألهمني النص التالي، الذي سيرى النور في ديواني القادم:
عتبة
اخلع نعلك يا آدم
واتركه على باب محرابي
لنركع يداً بيدٍ
ونُقيم صلاة المجاز
من ديوان قادم
حين نقر بكينونة الحقيقة، لا يتوقف الاندهاش — بل يتحوّل. يصبح اعترافاً بفردية التعبير التي تنعم بها كل امرأة، لا استثناءً يُحتفى به في لحظة عابرة.

سحر الهنيدي بالمر كاتبة وبودكاستر بريطانية فلسطينية، صدر لها اثنا عشر كتاباً. تقدّم منذ أكثر من عشرين عاماً مدونة صوتية باللغة الإنجليزية حول الوعي والقيادة الذاتية.
