
بقلم الناقدة” ليلى صليبي”
يستندُ هذا النصُّ إلى بنيةٍ وجدانيةٍ شفيفةٍ، تتضافرُ فيها الصورةُ الشعريةُ مع الإيقاعِ الداخلي لتشكّلَ خطابًا غنائيًّا يفيضُ بالشوقِ والحنينِ، لكنّه لا يستسلمُ للعاطفةِ المجرّدةِ، بل ينهضُ على شبكةٍ من الرموزِ التي تمنحُ التجربةَ عمقًا إنسانيًّا وتأويليًّا..
منذُ المطلعِ: “أريدك حياةً ريّا بلهفة الغيم”، تؤسّسُ الشاعرةُ معادلةً تجمعُ بين الحياةِ والماءِ، وبين الظمأِ والارتواءِ، فتغدو المحبةُ حالةً وجوديةً لا رغبةً عابرةً. والغيمُ هنا ليس مجرّدَ عنصرٍ طبيعيٍّ ، بل رمزٌ للوعدِ بالمطرِ، أي للوعدِ بالخلاصِ والامتلاءِ.
ويتصاعدُ النسقُ الصوفي في قولِها: “سأمضي صلاةً على شفاه المطر”، حيثُ تمتزجُ مفرداتُ العبادةِ بعناصرِ الطبيعةِ، فيتحوّلُ الحبُّ إلى طقسِ تطهّرٍ، وتصبحُ اللّغةُ نفسُها وسيلةً للعبورِ من الواقعِ إلى الحلمِ. ويعزّزُ هذا المعنى قولَها: “قطراتُ نبضٍ تعمّدَ جبينَ الحلمِ”، إذ تستعيرُ فعلَ “التعميد” لتمنحَ الحلمَ شرعيةَ الميلادِ والتجدّدِ.
أمّا تكرارُ النداءِ: “يا رجلًا يمرُّ…”، فيؤدي وظيفةً إيقاعيةً ودلاليةً معًا؛ فهو لا يستحضرُ شخصًا بعينِه بقدرِ ما يستدعي صورةَ الحضورِ المنشودِ، ذلك الكائنُ الذي يعبرُ الذاتَ كما يعبرُ الضوءُ والنسيمُ، فيوقظُ القصيدةَ ويحرّرُ اللغةَ من صمتِها.
ومن أجملِ مفارقاتِ النصِّ قولُه: “الصمت صاخب في عينيك”، وهي صورةٌ تقومُ على التضادِ، لكنّها تنجحُ في تجسيدِ كثافةِ المشاعرِ التي تعجزُ اللّغةُ عن الإفصاحِ عنها، فيصبحُ الصمتُ أكثرَ بلاغةً من الكلامِ.
ويبلغُ النصُّ ذروتَه الدلاليةَ في خاتمتِه:
“أن الليل نبيذ الغربة
وأن الوحدة ثمالة
والرقص على حافة الجرح شفاء.”
هنا تتحوّلُ الاستعاراتُ إلى رؤيةٍ فلسفيةٍ؛ فالليلُ لا يعودُ زمنًا، بل شرابًا تتخمّرُ فيه الغربةُ، والوحدةُ ليستْ فراغًا بل حالةَ سُكرٍ روحيٍّ، أمّا الرقصُ على حافةِ الجرحِ فهو صورةٌ بالغةُ الجمالِ، تجعلُ من مواجهةِ الألمِ فعلًا مقاومًا، ومن الإبداعِ وسيلةً للتعافي.
فنيًّا، يتّسمُ النصُّ بانسيابيةِ لغتِه، وتلاحقِ صورِه، ووحدةِ حقلِه الدلالي الذي يدورُ حولَ الماءِ، والمطرِ، والضوءِ، والليلِ، والورقِ، وهي مفرداتٌ تتشابكُ لتشكّلَ فضاءً شعريًّا متماسكًا. كما أنَّ الاقتصادَ في العبارةِ، والاعتمادَ على الإيحاءِ أكثرَ من التصريحِ، يمنحان النصَّ طاقةً تأويليّةً واسعةً، ويجعلان المتلقي شريكًا في إنتاجِ معناه.
إنّه نصٌّ يزاوجُ بين الرهافةِ الوجدانيةِ والوعي الفني، ويقدّمُ تجربةً شعريّةً تتجاوزُ البوحَ المباشرَ إلى بناءِ عالمٍ رمزيٍّ تتجاورُ فيه المحبةُ، والغربةُ، والقصيدةُ ، بوصفِها وجوهًا مختلفةً لرحلةِ الإنسانِ في البحثِ عن اكتمالِه.
كلُّ الشكرِ للشاعرةِ المبدعةِ “ثناء نصر” على هذا النصِّ الذي جعلَ من الغربةِ نبيذًا معتَّقًا في ذاكرةِ الروحِ، ومن اللغةِ فضاءً يفيضُ بالشعرِ والدهشةِ. دمتِ مخلصةً لوهجِ القصيدةِ، وليراعِكِ القدرةُ الدائمةُ على ملامسةِ أعماقِ الإنسانِ بهذا الجمالِ الآسرِ. مع خالصِ التقديرِ والاحترام.
القصيدة:
الليلُ نبيذُ الغربةِ
أريدك حياة ريّا بلهفة الغيم
سأمضي صلاة على شفاه المطر
قطرات نبض تعمّد جبين الحلم
قبل صحوة الدمعة
على وسائد الورق
يا رجلا يمر كالضوء في دمي
لا يخاف ظل الحروف
يا رجلا يمر كالنسيم
من نوافذ الغياب
ويهز مهد القصيدة…
صدى النظرات يسحرني
الصمت صاخب في عينيك
يوقظ لغة اللهفة؛
على عنق الورق
ويذكرني
أن الليل نبيذ الغربة
وأن الوحدة ثمالة
والرقص على حافة الجرح شفاء .
بقلم الشاعرة “ثناء نصر”
