
بقلم كنانة عيسى
أغالب مجرى النهر
فازت رواية اغالب مجرى النهر بالبوكر لعام ،2026
وغالبت قراءها وشخوصها بمفاعيل حكائية تنم عن جهد معرفي و ذخيرة ثقافية، رغم أن القارىء العادي لاقى صعوبة في التعامل مع السرد،فإن القارىء النخبوي وجدها متعة إضافية.
يقول سعيد خطيبي:( الأدب هو السياسة)
اللغز الأدبي
رغم فجاجة السرد فقد استطاع سعيد خطيبي أن ينسج روايته بإتقان و تمرس، بأمزجة توحي بالفترة العصيبة التي ستمر بها الجزائر قبيل العشرية السوداء.تاركا للقارىء متعة الانغماس بنشوة الحضور في النص الروائي،و التأرجح بين ما ستخلقه الأصوليات الدينية المتشددة التي ستبدأ بالظهور، مستغلة أيديولوجية شخصيات ممتعة تصارع الإرث الديني، وبين الأمل والمعنى، حين لا يثمن المعنى ضمن حقائق مخيالية شيقة، وثيمات متشابكة معقدة و حبكة متقنة و أحداث تستمر بالتصاعد، تنبثق من تعدد رواة مدروس و لغة مقننة و مشاهد فجة،وصادمة لا تعبأ بردود فعل مجتمع التلقي. ويتساءل القراء هل هذه رواية تشويق بوليسي وجريمة تحتاج الحل؟
أم أنها رواية نقد مجتمعي وسياسي تستشرف أخطاء الراهن و المستقبل؟
أم أنها مواربة أدبية قاسية لا تختزل النص الأدبي بل تفرض وجوده و بقوة.
تعدد الرواة و اللغة
في (أغالب مجرى النهر) يقدم الكاتب، مسرحا بصريا، تتعاقب فيه سرديتان أساسيتان، سردية البنت،و سردية الأب،وما بينهما من راو عليم قاسي ينشب أظافره في عنق شخصية البنت(عقيلة تومي) حين يستجوبها المحقق جمال درقين، و في عنق والدها (عزوز الخالدي) حين يستجوبه إدريس بادة. بينما ظهرت مقاطع سردية أخذت نمطا خطيا مختلفا، لتمايز السارد المتكلم المتطفل على السرد، و الذي جاء مباغتا و غير مناسب ،لكنه استطاع رغم الخلل الذي خلَّفه أن يكمل نسج الحكائية الغامضة، و يقلّم الانحراف الدرامي لكل شخصية على حدة.
بينما تفردت اللغة بخطاب يوائم كل أطياف التلقي و كأن القضية الثقافية بمجملها مع ارتباطاتها التأريخية و السياسية لم تنل من مباشرة اللغة التي تواكب إيقاع السرد المتواتر و الشيق.
النسيج الروائي المتشابك
قدم الكاتب مهارات سردية متفوقة ،معتمدا على مصادر حكائية شفاهية و وعتاد معرفي هائل، و جهد تاريخي لوعي جمعي عول عليه من خلال شخصياته النمطية .الأب عزوز الخالدي و ابنته عقيلة التومي و زوجها مخلوف التومي و طفلتهما مينة،و أخ عقيلة ميلود الخالدي، وسير المرضى الذين يتعلقون بعمل عقيلة كطبيبة ،و أسرار الاب عزوز التي تكشف بقية الشخصيات ودورها في الحبكة الثانوية،مثل بابا ياقوت وريمة و ثامر ومليك.لكنه حبك هذه الشخوص في واقعها بمهارة وهي تعاني تحت ظل المتغيرات السياسية وسطوة الإرث الديني القهري على المجتمع الجزائري،و لم ينحز لسلوكهاالإنساني و لم يحاكمها ،بل ترك لها حرية العيش و المغالبة والبحث عن معنى الحياة. غاب صوت الكاتب وتماهى مع صوت الرواية بحرفة. كان القالب البوليسي المتقن هو الذي شد المتلقي قرائيا للبحث عن المزيد من الأسرار.
هناك جريمة غامضة تربط أبطال السرد جميعاً و يوازيها جدل واقعي متعمد، إن عملية التحقيق مع (البنت) و (الأب) تفتح نافذة على تشابك عضوي بين الشخوص يتكشف تدريجيا ،ليورط القارىء بانحياز وجداني يسلط الضوء على المعاناة النفسية للأنماط السردية و أخطائهم و أسرارهم و ضعفهم البشري تجاه المتغيرات المتفاقمة و العصية على الفهم الكلي،لأن العتبات النصية الدلالية التي ارتبطت بتعدد الرواة قدمت منهجا قرائيا شيقا ترك القارىء في نهاية السرد في حيرةأمام شخصية القاتل و دوافعه. و كانت هذه قيمة مضافة للعمل الأدبي بمجمله..تاركا القارىء في حالة تساؤل أمام تجنيس النص الروائي و ماهيته وهويته.
النقد المجتمعي
قدم الكاتب نقدا مجتمعيا مواربا من خلال وعي الشخصيات و سلوكها و أخطائها ومعاناتها وبناها بناء فنيا عميقا قائما على الإدراك الشعوري لأبعاد هذه الشخصيات، فكانت شخصية عقيلة الطبيبة،الهشة نفسيا نموذجا لتعنيف المرأة و قمعها وتسليعها،و ضحية سيطر عليها الإيمان بالخرافات و السحر و الشعوذة،وسطوة التشريع الديني الموروث الذي سمح للآخرين بالتحكم فيها، رغم اقتلاعها لقرنيات الموتى لاشرعيا، فهي خاضعة لظلم توارثه التشريع و أنتج من خلاله أمومة معطوبة وضّحت خلل العلاقة بين عقيلة و أمها (المرأة الذكورية) و بين ابنتها مينة التي تعاني من غياب الأم و حضورها، كما ورد في الصفحات التالية(60-61-81
لم يتوانى المؤلف عن الإشارة للتفسخ المجتمعي وتجارة الممنوعات والفقر وسرقة المواليد الجدد في المرحلة الزمنية التي سبقت العشرية السوداءص.55، و قدم انتقادا لتعميق الفكر الأصولي السلفي و الانحياز للمجتمع الذكوري كما ورد في الصفحات (125-123-87) كما انه تحدث عن إرهاب الأنظمة و فسادها كما حدث برشوة حبس ميلود ص.115 وتعنيف المرأة الجزائرية ولاسيما المرأة المطلقة.
التنظير السياسي
لا يخشى سعيد خطيبي من شبح الحذوفات النصية المتعلقة بالمأزق السياسي، فهولم يباشر باختزال النص إلى عوالم تخييلية محتملة أو سريالية، بل قدم رؤية صادمة عن معايير الإنهيار القيمي بسبب الوضع السياسي و قدم التاريخ السياسي للجزائر من خلال تبئير الأحداث و ربطها بالشخصيات، ليشير للصراع القائم بين أبطال الثورة و المتسلقين عليها و يتحدث عن نشوء فكرة التخوين ضد المجاهدين القدامى، ص157، و يسرد تاريخ الانقلابات مثل :
انقلاب هواري بو مدين على أحمد بن بلة عام 1965
وحكم الشاذلي بن جديد في مرحلتيه، وحيثيات تكوين لجان التحرير عام 1954
و استرجاع فلسفة المستعمر ومنطقه بالتعاطي مع شعوب الدول المحتلة و سرديته المخاتلة.ص.156
وترميز الفظائع المرتكبة مع عودة الإمبريالية متنكرة بالأصولية الدينية حين يتحول المجاهد و الفلاح إلى قاتل مأجور. بينما ينفق عزوز على عشيقته بابا ياقوت و صديقتها باية من أموال التحرير تظهر ملامح الدولة الأمنية المخابراتية ،ص.174
مبدأ الكفاءة القاسية
لم يقدم خطيبي لغة وارفة حانية و لم يسعى لتقعير مرئي واضح، بل اعتمد مبدأ الفجاجة في السرد، اللغة الرتيبة المباشرة،و الفظاظة المباشرة الصادمة ،فقدم لنا ثيمات واقعية تتجاوز التابوهات جميعها،طارحا جدلية جاهزية المجتمع القرائي للخروج عن النمط.فقدم لنا السرد أمزجة سياقية تداولت مشاهد جنسية بحقيقية تخيلية،عندما طرح مبدأ سفاح القربى، والبهيمية مجتمعيا،ص.171، وعندما قدم لنا المشاهد الحميمية بين عقيلة ومخلوف،ومظاهر العلاقة الشاذة بين سلوى و عقيلة في شبابهما،ص.65-66 .إن البنى النصية اللغوية المباشرة وأسلبة السرد التي اعتمدت مبدأ الصرامة والكفاءة القاسية قدمت سياقات داعمة لتكون الأبعاد النفسية للشخصيات وتطورها سيسيولوجيا.واكبر دليل على ذلك شخصية بابا ياقوت الفريدة، المرأة التي تدير دار بغاء بكفاءة واقتدار وترفق بريمة وتأويها،و تشارك بدعم الثوار (رغم بخلها الشديد)و وتقدم دعما إنسانيا و أخلاقيا للعمالة التي تقدم خدمات الجنس في الخفاء، والتي ستلقى مصيرا مأساويا على يد فئة من الزبائن الذين سيتحولون في المد الأصولي إلى قتلة بلا رحمة وساديين متوحشيين ، ينصحون عاهراتهم بالتوبة ص.170
الرمزية بين الذات المبدعة و الذات الساردة
قدم الكاتب عتبات رمزية متنوعة استطاع صوت الكاتب الهروب منها،ص.122 و بعضها الآخر قدم فضاءات دلالية متصلة زجت بالقارىء في سياقات إبداعية أشبه بالمأزق الفكري، بين الواقع و المتخيل، فأجبرته على التأمل والبحث الدلالي، و ارتطمت بوعيه القرائي مشرعة الأبواب لتفسيرات سيميائية موازية ،تختلف باختلاف التلقي.استخدم الكاتب منظومة الأحرف (أبجد، هوز، حطي،كلمن)،كعنونة مائزة تستفز العملية القرائية، و قدم رسومات طفولية تناغمت مع رمزية غلاف الكتاب ودلالة شخصية مينة الطفلة العالقة في خضم أم معنفة وأب ذي معايير أخلاقية معطوبة أدت إلى قتله في النهاية. إن رسومات مينة البريئة لا تعكس فحسب مفهوم الطفولة إلى الأسرة الجزائرية التي ستقبل على العشرية السوداء فحسب ،بل سترمز النظرة الاستباقية للجيل الذي سيواكب المحنةالقاهرةالمقبلة، البراءة الفطرية التي ستواجه المد السلفي المتوحش الذي يبيح القتل العشوائي والخراب و شرعنة رفض الآخر المختلف .استخدم الكاتب أيضًا رموزا ثقافية دالة، فقبعة شارلي شابلن التي يثمنها عزوز ككنز إنساني سيفاوض به قيمة استحقاقه كمجاهد في حرب التحرير،هي في النهاية رمز ثقافي غربي يفقده كما سيفقد هويته الوطنية أثناء التحقيق معه، وما (انتظار بودو) الشخصية الإعلامية التي ستنصف معشر المجاهدين الذي يوائم فكرة المخلص، إلاوهم المناضلين المظلومين الذين سيفقدون حق المواطنة بالتقادم مع فعل التخوين و لقب حركي، و سيموت بودو قاصما ظهر الفئة القليلة الحانقة والمتمسكة بحقوقها التي فقدت جوهرها في المرحلة النتقالية بين الثورة و بين مرحلة تطهير الثورة الزائف.
الاستحقاق القيمي
إن َّموضوعة العمل الأساسي هي النصف الثاني من السرد الروائي،إنها تشريع الاستحقاق القيمي لمناضلي الثورة الذين دفعوا أعمارهم فداء الوطن،فقوبلوا بالرفض و الاستهجان و التهم العبثية العكسية التي صنفتهم بالخونة والعملاء،والتي سمحت لعبيد السلطة الجديدة بوسم أولئك المتهمين بالعمالة والذين هم أغلبهم أبرياء ،كما فعلت شهلة البرق بعزوز الخالدي و أصدقائه. بينما نجد في الجزء الأول استحقاقا إنسانيا لحقوق المستضعفين كالنساء،و الفقراء،و ضحايا العنف و الاستغلال الجنسي .لدرجة أن الكاتب نسج عدد صفحات متوازيٍ بين الحكائيتين، حكاية عقيلة المهانة والمعنفة والمستغلة و العاجزة عن أخذ قرار. وحكائية عزوز الخالدي الذي يداري عار ظلمه و يبحث عن استحقاقه القيمي في المجتمع الذي همشه وآذاه رغم أنه مناضل عظيم ضحى من أجل وطنه بلا فائدة تذكر.
استدامة التراث الجزائري وفرادة الشخوص الدرامية
أبدع سعيد خطيبي في تقديم وجبة لذيذة من استدامة التراث الجزائري،ويتورط القارىء بكل حواسه في استجلاب الجزائر ذاكرة وماضيا و نمطا من خلال الأطباق الشعبية و الأغاني الفلكلورية و طقسية الأعراس و و توظيف الأمثال الشعبية بالتوازي مع خلق تناغم يسير الشخصيات في فضاء مجتمعها الذي يؤمن بوهم موروث الخرافات و الأساطير المدنية كما ورد في النص :
من الاحتفاليات بالحلي الجزائرية والطعام الجزائري .ص -163-59-54
مثل:كرافاش بو حية- خيط الروح .ص 163
-الغيطة والبندير-ص163
توظيف الأمثال الشعبية:
وحداني غريب في بلاد الذريب ص 183
اللي فاتك بليلة فاتك بحيلة ص88
الكنة تجلب الغمة ص103
طغاو علي الناس بالعجوب و سماي عامرة غيوم ص143
لم يتوانى خطيبي عن النقد المجتمعي والتوثيق السياسي المرحلي المرتبط به ،لكل ما خلقته أيديولوجية الأصوليات في المجتمع الجزائري، بل و تمكن من طرح شخصيات تعكس أمزجة السرد و من ذخيرة ثقافية عامرة لم تنتقد شخوص الخيانة والعمالة أو المتهم به مثل عزوز فحسب،بل تنتقد أيضا رموزسلطة الثورة الأليغارشية التي تقدم من خلال مفهوم التحريرإرهابا دكتاتوريا، حقق الاستبداد الفعلي الذي كان يقوم به الاستعمار سابقاً مثل شخصية شهلة البرق، وشخصيات أخرى تخلق الشك المحيط بالعوالم المحتملة لخاتمة الأحداث بتصاعد السرد ضمن أسئلة وجودية قلقة و جرأة في الطرح، كرسائل دالة تورط القارىء في دعوة لسبر أغوار المجتمع الجزائري مجتمعيا و سياسيا و تاريخيا بجانب انتظار بودو.
وجد معظم القراء أنفسهم أمام مأزق كبير عندما فازت الرواية بالبوكر، فغالبوا بأنفسهم النص الروائي المستفز،ولا سيما أولئك الذين يرفضون القولبة المعاصرة للسرد العربي ضمن تصنيف الروايات البوليسية و الجرائم الغامضة و إشراك القارىء في البحث عن القاتل و ترك النهايات المفتوحة المخادعة، كشرك لا يسمح للعمل الروائي بالغياب عن ذاكرة التلقي ، فأعادت جائزة البوكرشهية الرافضين للقراءة مرة أخرى ضمن معايير القراءات النقدية التي قامت بها أندية القراءة من خلال النقاد ،في دولة الإمارات العربية المتحدة
إنها ورطة الإبداع الفج ،الذي يجاهر بالمشاهد الحسية الصادمة ,لا يتجاوز عن عمق الواقع المسكوت عنه، لكنه في ذات الوقت يقدم هذا النسيج الماتع. من النقد الاجتماعي و السياسي بذكاء أدبي يعيد ضبط معايير الذائقة العامة لتصل للنخبة ضمن تعدد رواة مبهر رغم .
