الاستاذة ميرنا أبولطيف

يقضي الإنسان سنواتٍ طويلةً وهو يُفتِّش عن كنوزه في الجهات البعيدة، ويُرهق قلبه في ملاحقة ما يظنُّه مفقودًا خارج حدوده، ثمَّ تأتي لحظةٌ فارقةٌ يكتشف فيها أنَّ كثيرًا ممَّا كان يبحث عنه كان يُقيم في أعماقه منذ البداية. كأنَّ الحياة رحلةُ عودةٍ متواصلةٍ إلى الذات، وكأنَّ الوجود كلَّه يدعونا، بصورٍ مختلفةٍ، إلى أن نُصغي إلى ذلك الصَّوت الهادئ السّاكن في أعماقنا. الثَّراءُ الحقيقيُّ لا يبدأ من المال، ولا من الممتلكات، ولا من تراكم الأشياء. الثَّراءُ حالةُ امتلاءٍ داخليٍّ تجعل الإنسان قادرًا على استقبال الحياة بقلبٍ واسعٍ وروحٍ مطمئنَّةٍ. هناك أشخاصٌ يملكون القليل من أسباب العيش، ومع ذلك تتدفَّق من أرواحهم طاقةُ الرِّضا والعطاء والجمال. وهناك مَن تحيط بهم أسبابُ الوفرة من كلِّ جانبٍ، غير أنَّهم يعيشون فقرًا داخليًّا لا تملؤه كنوز الأرض.
الوفرةُ تنبع من الوعي قبل أن تتجلَّى في الواقع. فعندما يتَّسع الإدراك، تتَّسع معه القدرة على رؤية النِّعم، وعندما تتَّسع الرُّوح، تصبح الحياة أكثر امتلاءً بالمعنى. عندها يغدو الإنسان أشبه بنبعٍ لا ينقطع عطاؤه، لأنَّه يستمدُّ ماءه من أعماقٍ لا تجفُّ. أمَّا الحُبُّ، فهو السِّرُّ الأقدم في هذا الوجود. الحُبُّ ليس شعورًا عابرًا يزور القلب ثمَّ يرحل، ولا علاقةً تُقاس بمدى القرب أو البعد. إنَّه القوَّة الخفيَّة التي تربط أجزاء العالم بعضها ببعض، وتجعل للوجود نسيجًا واحدًا رغم اختلاف صوره وأشكاله. الحُبُّ هو ذلك الإحساس العميق بأنَّ الإنسان ينتمي إلى شيءٍ أكبر من ذاته، وأنَّ حياته تحمل معنًى يتجاوز حدود مصالحه الضيِّقة.
كلُّ روحٍ تحمل في داخلها حنينًا إلى موطنها الأوَّل؛ حنينًا إلى السَّكينة، وإلى الأمان، وإلى ذلك الدفء الذي يجعلها تشعر بأنَّها في مكانها الصَّحيح داخل هذا الكون الفسيح. وحين يلامس الحُبُّ أعماق الإنسان، يشعر كأنَّ أبوابًا خفيَّةً قد انفتحت في قلبه، وكأنَّ العالم أصبح أكثر إشراقًا وأقرب إلى الفهم. والنُّورُ أيضًا يسكن في الدّاخل. إنَّه لا يأتي دائمًا من المصابيح المعلَّقة في الخارج، ولا من الأضواء التي تملأ الشَّوارع والمدن. هناك نورٌ آخر يولد في الرُّوح عندما تتصالح مع نفسها، وعندما تتوقَّف عن الهروب من حقيقتها، وعندما تجرؤ على النظر إلى أعماقها بصدقٍ وشجاعةٍ.
إنَّ الرُّوح المتَّقدة بالمعنى تشبه مصباحًا متوهِّجًا لا يحتاج إلى إعلانٍ عن حضوره، فالنُّور بطبيعته يُرى ولا يحتاج إلى تعريفٍ بنفسه. وكلَّما ازداد الإنسان صفاءً، ازدادت قدرته على إشعال هذا المصباح في الآخرين أيضًا. فالكلمات الصادقة تُضيء، والحضور الصادق يُضيء، والمحبة الصادقة تُضيء. أمَّا القوَّة، فليست قدرةً على السيطرة أو الغلبة أو فرض الإرادة. القوَّة في أعمق معانيها هي قدرة الإنسان على الثَّبات وسط العواصف، وعلى الاحتفاظ بنوره حين تشتدُّ الظلمات. إنَّها القدرة على النهوض بعد الانكسار، وعلى تحويل الألم إلى معرفةٍ، والجراح إلى حكمةٍ، والخسارات إلى بداياتٍ جديدةٍ. كثيرًا ما يظنُّ الإنسان أنَّ القوَّة تأتيه من الخارج، ثمَّ يكتشف بعد تجارب طويلةٍ أنَّ مصدرها كان كامنًا في أعماقه طوال الوقت. هناك في القلب منطقةٌ هادئةٌ لا تصل إليها الفوضى، وهناك في الرُّوح مساحةٌ واسعةٌ تبقى متَّصلةً بسرِّ الحياة مهما تبدَّلت الظروف.
أمَّا الكمال، فليس صورةً جامدةً يسعى الإنسان إلى بلوغها، ولا حالةً من العصمة المطلقة. الكمال حركةُ نموٍّ مستمرَّةٍ نحو الأفضل، ورحلةُ انكشافٍ متواصلةٍ لما أودع في الإنسان من إمكاناتٍ وقدراتٍ. إنَّ كلَّ روحٍ تحمل بذورًا عظيمةً تنتظر أن تتفتَّح، وتحمل في داخلها آفاقًا أوسع ممَّا تتصوَّر. حين ينظر الإنسان إلى نفسه بعين الاحترام والرحمة، يدرك أنَّ وجوده لم يكن عبثًا، وأنَّ حياته تحمل قيمةً أصيلةً لا تستمدُّ مشروعيتها من أحكام الآخرين، بل من حقيقة وجودها ذاتها. ثمَّ تأتي الحقيقة؛ تلك الكلمة التي شغلت الفلاسفة والمتصوِّفة والحكماء عبر العصور. الحقيقة ليست فكرةً معلَّقةً في الكتب، ولا مفهومًا مجرَّدًا يُحفظ في الذاكرة. الحقيقة تجربةُ حضورٍ كاملةٍ يعيشها الإنسان عندما يتوقَّف عن التشتُّت بين ما مضى وما سيأتي، ويستقرُّ بكامل وعيه في اللحظة التي يعيشها الآن.
الآن هي النَّقطة الوحيدة التي يلتقي فيها الإنسان بالحياة مباشرةً. في هذه اللَّحظة يتنفَّس، ويشعر، ويُدرك، ويختبر وجوده. أمَّا الماضي فقد أصبح ذكرى، وأمَّا المستقبل فما زال احتمالًا ينتظر أن ينكشف. ولهذا تحمل اللَّحظة الحاضرة قيمةً استثنائيَّةً؛ ففيها تتجلَّى الحياة بكلِّ طاقتها، وفيها يقترب الإنسان من جوهره الأعمق. وعندما تتجمَّع هذه المعاني كلُّها في القلب؛ الوفرة، والحبُّ، والنُّور، والقوَّة، والحقيقة؛ يكتشف الإنسان أنَّ رحلته الكبرى لم تكن نحو الخارج بقدر ما كانت نحو الداخل. هناك، في أعماق الرُّوح، تبدأ المعرفة الحقيقيَّة. وهناك يتَّضح أنَّ الوجود ليس مجموعةَ أحداثٍ متفرِّقةٍ، بل نسيجٌ واحدٌ تتداخل فيه المعاني كما تتداخل خيوط الضوء في شعاعٍ واحدٍ. وعند هذه العتبة من التأمُّل، يدرك الإنسان أنَّ أعظم الاكتشافات لا تحتاج إلى سفرٍ بعيدٍ، لأنَّ المسافة الأقصر والأعمق في الوقت نفسه هي تلك التي تقوده من ضجيج العالم إلى سكينة ذاته، ومن ظاهر الأشياء إلى جوهرها، ومن التفرُّق إلى الوحدة التي تسكن في قلب الوجود.
