
محاولة بقلم: عماد عواودة ، ابو حازم ..
حين يلتقي شاعران حقيقيان، لا يكون اللقاء بين شخصين، وإنما بين قاموسين من الصور، وذاكرتين من الموسيقى، وروحين أدمنتا الإصغاء إلى نبض اللغة، ولعل أجمل ما في الأدب العربي أن الصداقة فيه كثيراً ما تبدأ ببيت من الشعر، ثم تنمو حتى تصبح قصيدةً كاملة.
من هذا الباب جاءت هذه المساجلة الأدبية بين الشاعر السوري « جميل داري »، أحد أبرز الأصوات الشعرية العربية المعاصرة، الذي عُرف بجزالة لغته، ورهافة صوره، وحضوره الثقافي والإعلامي، وبين الشاعر والأكاديمي الليبي الدكتور «عبدالمولى البغدادي»، صاحب التجربة الشعرية الثرية، واللغة الرصينة، والخيال المتدفق، والذي جمع بين التكوين الأكاديمي والموهبة الشعرية الأصيلة .
لم تكن هذه المساجلة ثمرة لقاء سابق أو معرفة طويلة، لكنها بدأت كما تبدأ الحكايات الجميلة؛ ببيتٍ من الشعر؛ فقد بلغ الدكتور عبدالمولى البغدادي بيتٌ منفرد لجميل داري يقول فيه:
« أمرُّ بي لا أراني … مرورَ أعمىً بثانِ »
فأُعجب به أيما إعجاب، وفي المقابل قرأ جميل داري مطلع قصيدة للبغدادي يقول فيها:
« الإماراتُ آمراتٌ نواهِ …
كيفَ أصحو وكأسُها في شفاهي »
فاستوقفه البيت وسكر بجماله، على حد تعبيره؛ وهكذا سبق الإعجاب المتبادل اللقاء الشخصي، وتعارفت الأرواح قبل أن تتصافح الأيدي .ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ بين الشاعرين حوارٌ شعري عفوي، التزما فيه بحراً واحداً وقافيةً واحدة، حتى تجاوزت أبياته عشرات الأبيات، وكل ذلك في انتظار موعد جمعهما مساء يوم السبت في دارة الشاعر « محمد البياسي »، حيث كان اللقاء المرتقب بين كوكبة من الشعراء والأدباء.
تأتي قيمة هذه المساجلة في أنها تمثل وجهاً مشرقاً من وجوه الأدب العربي؛ فهي ليست منافرةً ولا نقائض، وإنما مودةٌ مصوغةٌ شعراً، يتبادل فيها الشاعران الإعجاب والتواضع، ويتسابق كل منهما إلى رفع صاحبه لا إلى التغلب عليه، إنها حوار بين قلبين قبل أن تكون حواراً بين قافيتين، ولذلك جاءت أبياتها عفوية، صادقة، مفعمة بالمحبة، وكأن الشعر فيها كان وسيلة التعارف، ثم أصبح لغة الصداقة نفسها.
فهذه ليست مجرد حوار شعري عابر، إنما هي من ذلك الفن العربي العريق الذي كان يسمى المطارحات أو المساجلات الشعرية، حيث يتبارى شاعران ارتجالاً أو شبه ارتجال، على وزن واحد وقافية واحدة، فيغدو الشعر حديثاً بين روحين قبل أن يكون كلاماً بين شخصين .
المناسبة؛ كما يرويها الشاعر جميل داري كانت تعارفاً لم يسبقه لقاء؛ بيتٌ واحد للبغدادي سَكِر به داري، وبيتٌ واحد لداري أدهش البغدادي، فكان الشعر رسول التعارف، ثم صار موعد اللقاء نفسه قصيدة .
أحسب أن أجمل ما في هذه المساجلة أنها لا تقوم على الهجاء أو المفاخرة، كما كان شأن كثير من النقائض، وإنما تقوم على المودة، والتواضع والتآلف، وإجلال الشاعر للشاعر .
لنقرأها على مهل
يفتتح عبدالمولى البغدادي بقوله :
« السبتُ عيدٌ لأني فيهِ ألقاكا
لا تحرمِ العينَ يومَ السبتِ مرآكا »
من أول بيت يجعل يوم السبت عيداً، لا لذاته، وإنما لأنه يوم اللقاء الموعود؛ ثم تأتي كلمة « مرآكا » في غاية الرقة؛ فهو لا يقول: لا تحرمني رؤيتك، بل يجعل صاحبه مرآةً للعين، وكأن العين لا تكتمل إلا به.
فيرد جميل داري:
« ما أجملَ الشعرَ حينَ الشعرُ يغشاكا
أحبُّهُ لامساً أو لاثماً فاكا »
هنا ينتقل من مدح الشخص إلى مدح الشعر الذي يسكنه؛ ثم تأتي صورة جريئة لكنها مهذبة: فالشعر يلامس الفم ويقبله، وكأن القصيدة كائن حي، ثم يقول:
« بعضُ الرجالِ نجومُ القلبِ مسكنهم »
هذا من أجمل أبيات المساجلة كلها؛ فليس كل رجل يسكن الذاكرة، بل بعضهم يسكن القلب نفسه.
ثم يقول البغدادي :
« يا ملتقى السبتِ أسرعْ في القدومِ فما
في القلبِ من سائرِ الأيامِ إلاكا »
لاحظ المبالغة الجميلة؛ لم يبق في القلب شيء من بقية الأيام، كلها اختزلت في يوم السبت، فيجيبه داري:
« سأجعلُ الزمنَ الآتي لموعدنا
فلا زمانَ لنا إلا بملقاكا »
وهذه مبالغة شعرية مقابلة؛ فالزمان كله يبدأ من اللقاء.
ثم يبلغ التواضع قمته عند البغدادي:
« وأينَ مني مقامُ الشعرِ بينكما
وليسَ لي شافعٌ للوصلِ إلاكا »
مع أنه شاعر كبير، إلا أنه يتظاهر بأنه أقل منزلة من صاحبه، وهو من آداب الشعراء الكبار .
ويرد داري:
« أفحمتَني فلديكَ الشعرُ منهمرٌ
يا أيها المطرُ المهطالُ رحماكا »
شبهه بالمطر الغزير، وهي صورة تناسب انهمار القوافي.
ومن أرق الأبيات قول البغدادي:
« إن كانَ للشعرِ من موْلىً يَدين لهُ
فإنني عبدُ مولاهُ ومولاكا »
هنا يلعب على اسمه عبدالمولى لعباً لطيفاً؛ فهو عبدٌ لمولى الشعر ، ثم يجعل صاحبه أيضاً مولىً له؛ وهذه من محاسن الجناس والمعنى معاً.
أما البيت الذي أعده من أجمل ما في الحوار كله فهو قول داري:
« فقدتُ بي ثقتي … أشعلتَ قافيتي
فعدتُ أبصر نفسي في مراياكا »
يا لها من صورة! ليس فقط أنه أعاد إليه الثقة، بل صار يرى نفسه في مرايا صاحبه؛ وهذا من أرق ما قيل في أثر الصديق المبدع.
ثم تأتي تتمة الحوار بعد تغريدة « الروائح السبع »، فيقول البغدادي:
« كلُّ الروائحِ سكرى لا يحركها
إلا مناجاةُ من بالشعرِ ناجاكا »
فيجعل الشعر عطراً يوقظ العطور نفسها؛ ثم يفيض جميل داري في قصيدة طويلة، ومنها:
« أنتَ البعيدُ عن العينينِ من زمنٍ
صارَ القريبَ إلى قلبي حُمياكا »
هذا هو معنى الأرواح إذا تعارفت؛ فالبعد المكاني لا يمنع القرب الوجداني .
ثم يقول:
« يا خمرةً في كؤوسِ الشعرِ مترعةً
في سكرةٍ أنا .. دعني من رعاياكا »
وهنا الخمرة استعارة قديمة للشعر والإلهام، لا علاقة لها بالخمر الحسية، كما نجد عند أبي نواس والمتصوفة وكثير من شعراء العربية .
ويختم البغدادي قبل اللقاء بقوله :
« كأنني كنتُ قبلَ السبتِ قافيةً
ينتابها اليأسُ إقصاءً وإنهاكا
فصرتُ مكتملَ الشطرينِ محتمياً
ببحركم أركبُ الآمالَ أفلاكا »
هذه من أبلغ صور القصيدة كلها ؛ كان قافيةً بلا صدر، أو شطراً ناقصاً، فلما التقى بأصحابه اكتمل البيت؛ إنها صورة لا يفهمها إلا شاعر.
ثم يأتي الختام بعد أن تحقق اللقاء:
« كانَ اللقاءُ جميلاً منذُ أولِهِ
إنَّ الذي كانَ يحييني أحياكا
كنا كطفلينِ في ركضٍ وفي مرحٍ
نعاقرُ الشعرَ آواني وآواكا »
هذا خير ختام؛ فالقصيدة التي بدأت شوقاً انتهت لقاءً، وكأن الشعر سبق أصحابه إلى التعارف، ثم جاء الجسد ليلحق بالروح .
هذه المساجلة تعيد إلى الذاكرة مجالس الأدب في العصر العباسي والأندلسي، حين كان الشعراء يتهادون القصائد كما يتهادى الناس الزهور، وما يميزها أنها تخلو من التكلف الظاهر، ففيها حرارة الصداقة أكثر من صناعة البلاغة، ولذلك جاءت عذبةً، متدفقةً، وكأنها حديث نفسين وجد كل منهما في الآخر مرآةً للشعر، ولو قُدِّر لي أن أختار بيتاً يمثل روح هذه المساجلة كلها لاخترت قول جميل داري :
« فقدتُ بي ثقتي … أشعلتَ قافيتي
فعدتُ أبصر نفسي في مراياكا »
ففيه يلتقي الشعر، والصداقة ، والتواضع ، والامتنان ، في بيت واحد.
السبت ١١ تموز ٢٠٢٦ ، قميم / الأردن )
